Author

شبح الحرب يؤرق الناس في الغرب

|
حتى نشوب الحرب الضروس في أوروبا التي مسرح عملياتها الحربية حاليا محصور بالحدود الجغرافية لأوكرانيا، كان القلق على المستقبل لا يخطر على البال، وعلى الخصوص لدى الدول الغنية فيه التي في الأغلب ما تصنف تحت لافتة الغرب أو الدول الغربية. غير أن راحة البال والاطمئنان على المستقبل وضمان حياة كريمة لم تعد من المسلمات في الغرب، حيث التحولات والمعادلات والصدمات أخذت تضرب المجتمعات الغربية بعد أن صار جليا أن القيادات السياسية التي تمسك بزمام الأمور، غير قادرة على إشغال العقل بغية إيجاد مخرج لحرب قد تطول نيرانها القارة برمتها. والحكومات والناس بصورة عامة تبني الخطط، ليس على أن الحرب قد تضع أوزارها قريبا، بل تؤسس على أن الحرب طويلة الأجل، وأن هناك أرجحية أن تلتهم نيرانها دولا أخرى، وهناك من يرى أنها قد تحرق العالم برمته في النهاية. مظاهر عديدة تؤشر على أن الناس في الغرب ينتابهم قلق شديد.
في مسيرتي كصحافي وأستاذ جامعي التي تمتد على مسافة أكثر من عقود أربعة، ضمتها التعايش في دول فيها من الضيم والظلم ما قد لا نستطيع تخيله، إلا أنني، وبصراحة، لم ألحظ خشية وخوفا يصلان حد الرعب من المستقبل، كما هو الشأن في الغرب حاليا.
قد يكون السبب وراء ذلك البحبوحة التي عاشها الغربيون في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية. الناس وإلى وقت قصير ـ أي قبل نشوب الحرب في أوكرانيا ـ كانوا يعتقدون أن الرخاء والنعمة والثراء من الأمور المفروغ منها، وأن نعمة العيش الرغيد قائمة لهم ولأولادهم، لا بل حتى الأجيال المقبلة.
حديث الناس، أغلب الناس، يدور حاليا حول أمور معيشية كان توافرها والحصول عليها ورخصها من نافلة القول، أي تحصيل حاصل.
ولم يكتف الناس بالأمور المعيشية من مأكل ومشرب. أن يكون لك بيت وسيارة وحساب مصرفي يؤهلك لقضاء العطلة السنوية في بقعة سياحية جذابة في العالم، إضافة إلى التعليم المجاني والتأمين الصحي وغيرها من المنافع والخدمات العامة يقع ضمن ما كان يراه الناس أنه حق من حقوقهم الشخصية.
الحرب في أوكرانيا وتبعاتها، وعلى الخصوص تأثيرها المباشر في أسعار الطاقة ومدى توافرها، إضافة إلى أسعار المواد الأساسية، أحدثت شرخا كبيرا في هذه المجتمعات إلى درجة التخبط على مستوى القيادات والسياسات.
هناك بحث قد يصل حد الجنون للتعويض عن مصادر الطاقة الأحفورية وموردها الرئيس روسيا، التي لم يعد يكن لها الغرب أي مودة ويبذل الغالي والنفيس لكي يخرجها مهزومة في الحرب، أو أضعف الإيمان غير منتصرة.
حديث الطاقة يطفو على حديث الحرب ذاتها. وإن كان الناس لم يخرجوا إلى الشوارع منتفضين على الوضع القائم لأننا في فصل الصيف، حيث الحاجة إلى التدفئة في أدنى مستوياتها، إلا أن تكرار السردية المخيفة أن كثيرا من البيوت قد تتحول إلى صناديق صقيع وثلج في الشتاء المقبل، يبث الخشية من المقبل من الأيام.
هناك تخبط في السياسة الغربية، وهناك إصرار على تحقيق الأهداف لدى روسيا، التي ظهر للعالم أن حصارها ليس نزهة، كما كان مثلا حصار العراق سابقا، أو حصار إيران حاليا.
في الحقيقة هناك معاناة التضخم، ما أدى إلى رفع نسبة الفائدة، وإن علمنا أن من النادر أن يكون هناك شخص في الغرب يملك بيتا أو سيارة دون رهن أو قرض كبير من المصارف.
بدأ الركود يدب في قطاع العقارات وأخذت الأسعار منحى الانحدار بعد أن أسهمت نسب الفائدة المتدنية جدا "أقل من 1 في المائة أحيانا" في إيجاد سيولة كبيرة ساعدت الناس على الشراء دون هوادة.
الغربيون يبحثون عمن ينقذهم من شح الطاقة وأسعارها التي لم يعد يطيقها بعض الناس.
والأنكى، أصبحت عسكرة المجتمع واحدة من الظواهر التي قد لا تغيب عن ناظر أي محلل يعيش في هذه الدول.
جرى رفع كبير لميزانيات الدفاع، وبعد أن كان العساكر بزيهم الحربي وأسلحتهم لا أثر ظاهري لهم، أو لا يكتشف الناس أنهم كانوا موجودين أصلا، صارت المظاهر العسكرية جزءا من الحياة العامة.
أزيز الطائرات الحربية ودوي المدافع والقنابل كجزء من تمارين عسكرية بالأسلحة الحية لم تعد شأنا من الماضي.
قبل فترة وجيزة وأنا في نزهة في الفسحة الخضراء بالقرب من منزلي في المدينة التي أقطنها، شاهدت جنودا وضباطا "نحو فصيلين" يتدربون على رفع القنابل والألغام، هذا أول مشهد عسكري ألاحظه بالقرب من منطقة سكنية منذ قدومي إلى السويد. ما شدني وألمني كان منظر امرأة مسنة تقدمت صوب الضابط وهي تبكي قائلة، "هل نحن مقبلون على حرب؟" لم يرد الضابط، بل ربت على كتفيها، واستمر بإيجازه للجند الذين اصطفوا على شكل دائرة لتلقي الدرس.
إنشرها