Author

شخص واحد يوازي شركة

|
من شرفة غرفتي راقبت ترميم قاعة كبيرة يستخدمها أساتذة الجامعة محطة لقاء لاحتساء القهوة وتناول الغداء.
واحتساء القهوة يرتقي إلى مرتبة طقس مقدس لدى السويديين، حيث يطلقون عليه مصطلح فيكا fika. وقد كتبنا عنه سابقا ولأهميته قد نعرج عليه لاحقا.
كل سويدي تقريبا وأيا كان العمل الذي يقوم به وفي أي مؤسسة كان لا بد أن يمنح في أقل تقدير نصف ساعة استراحة في الصباح ونصف ساعة أخرى بعد الظهيرة لاحتساء القهوة مع قطعة من الكعك.
والفيكا غاية في الأهمية في السويد، وصارت أمرا ملزما لأصحاب العمل وجزءا أساسيا من المهنة والتشغيل.
وهناك عشرات الدراسات الأكاديمية، منها على مستوى أطاريح جامعية لنيل درجة الدكتوراه تركز على أهمية الطقس هذا في زيادة الإنتاج وتعزيز الروابط الإنسانية بين العاملين ضمن منشأة واحدة.
ومن هنا لدينا في كليتنا قاعة كبيرة نلتقي فيها كل يوم لاحتساء القهوة والدردشة حول أمور الحياة المختلفة.
وكانت فترة الجائحة التي قل فيها الاختلاط وزاد التباعد مناسبة لعمادة الكلية لتجديد وترميم وتوسيع القاعة الخاصة بالفيكا، وهي قاعة كبيرة أساسا، لكن أراد المسؤولون إضافة جناح آخر إليها وتحديثها وترميمها واستبدال الأثاث والأجهزة المرفقة بها.
كان العمل يتطلب رفع السقف ووضع سقف جديد، وإزالة الأرضية ووضع أرضية جديدة مع بلاط حديث، وحك الحيطان لإزالة الصبغ والورق القديم واستبداله بآخر ما توصلت إليه صناعة البناء والإنشاء السويدية فائقة التطور، واستبدال الأجهزة القديمة بما استنبطه عملاق الأجهزة المنزلية السويدي "إلكترولوكس" Electrolux لم يكن العمل عاديا، لأن القاعة تقع في وسط مبنى الكلية التي تضم نحو أربعة آلاف طالب وطالبة، وفيها القاعات التدريسية وما يرافقها من ملحقات.
والقاعة تحت الترميم جرى توسيعها كي تستوعب الزيادة المطردة في الهيئة التدريسية والموظفين الذين يحتسون القهوة سويا مرتين في النهار. الطلبة لهم مقاه خاصة بهم.
كل هذا لا غرابة فيه وليس فيه ما يثير الاهتمام، لأنه واقع الحال في الكليات والجامعات في أغلب دول العالم.
ما أثار اهتمامي كان أسلوب العمل وطريقة تنفيذه.
كان الترميم جذريا تقريبا للقاعة التي تبلغ مساحتها نحو 300 متر مربع، بيد أن كل هذا العمل الشاق قام به شخص واحد، وأحيانا شخصان ومن النادر أن كان هناك ثلاثة أشخاص.
خذ مثلا تبديل البلاط الذي يتطلب عملا مضنيا وشاقا. لقد قام برفع البلاط القديم ووضع بلاط جديد عامل واحد فحسب.
لم أتصور أن هذا ممكن، لأن البلاط ثقيل ويلزمه مواد كثيرة أخرى لنقله وفرشه.
ما مكن العامل من القيام بكل هذا العمل المضني، الذي ربما كان سيحتاج إلى عديد من العمال في أماكن أخرى، كانت الميكنة. استخدم العامل مكائن لنقل ورفع وفرش البلاط الجديد، وكذلك لإزالة ونقل البلاط القديم إلى حاويات خاصة خارج البناية.
وهكذا كان الأمر مع الصباغ، الذي بمفرده أزال طبقة الصبغ القديمة وأعاد صبغ القاعة الكبيرة مع ما يلزم ذلك من نقل ورفع وحمل لحاويات الصبغ وغيره من المواد.
وما أدهشني كان عامل شركة إلكترولوكس الشهيرة. كان هذا العامل هو أيضا سائق الشاحنة التي نقلت أجهزة المطبخ من طباخات حديثة وثلاجات ومجمدات وأفران المايكرويف الحرارية وغيرها من الأدوات.
وقام هذا العامل بإفراغ الشاحنة وحده ونقل كل هذه المواد ونصبها في محلها وبصورة دقيقة بمفرده.
وأتى دور الأثاث الخاص بالمطبخ وأماكن الجلوس والمصطبات والكراسي والموائد والأثاث. هنا كانت دهشتي عميقة حقا، حيث قام بالعمل برمته عامل واحد من شركة إيكيا، IKEA، عملاق صناعة الأثاث السويدي. فهو كان السائق والحمال. هذا العامل بمفرده، نقل ونصب كل الأثاث للمطبخ الكبير والقاعة الواسعة.
لما كان كل هذا ممكنا دون الميكنة الحديثة. الشاحنات مجهزة بما يسهل أمر التحميل والتفريغ من قبل شخص واحد. وهناك أدوات رفع ونقل ونصب ذكية تعمل عن بعد وتؤدي مهام مبرمجة بسهولة ويسر.
نتحدث كثيرا عن الشركات العملاقة، لكن في السويد تكثف الحكومة اهتمامها أيضا بالشركات الصغيرة، ومنها ما نطلق عليه مصطلح الشركات المجهرية التي قد يعمل فيها شخص واحد أو شخصان أو أكثر.
الشركات المجهرية المسجلة في السويد تستوعب نحو 24 في المائة من العمالة في البلد. أما الشركات الصغيرة عموما فإن عائداتها تشكل أكثر من 61 في المائة من القيمة المضافة وأكثر من 65 في المائة من تشغيل القوى العاملة في البلد.
التجربة السويدية في تبني الشركات المجهرية والشركات الصغيرة جديرة بالدراسة في مناطق أخرى من العالم، خصوصا التي تعاني تخمة العمالة المستوردة. وما يقوم به عامل واحد بمفرده - وهو في الأغلب صاحب شركة مجهرية - قد يوازي ما قد يؤديه عشرة أشخاص أو ربما أكثر في أماكن أخرى من العالم.
إنشرها