Author

ميزانية 2021 .. المحافظة على المكتسبات والعودة للمسار

|
بداية وقبل أي شيء، أرفع أسمى آيات التهاني إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومقام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بمناسبة صدور الميزانية العامة لعام 2021، ولقد كان للحكمة الكبيرة التي تمت بها قيادة الاقتصاد السعودي بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين أثر كبير في تجنب المملكة كارثة اقتصادية خلال عام 2020، ولا يمكن عقد مقارنة صحيحة بالأرقام بين ميزانية عام 2020، وأي ميزانية أخرى سواء عام 2019، أو حتى العام المقبل 2021، فقد كانت ميزانية الظروف الطارئة، ورغم ذلك فإن الحكومة لم تطبق أي نوع من أنواع ميزانية الطوارئ، رغم أن الأحوال في بداية العام كانت تنذر بكثير، فلم يمض سوى شهرين حتى تراجعت أسعار النفط بشكل خطير جدا، فمن سقف 60 دولارا إلى أقل من 30 دولارا وفي أيام معدودة، بل وصل الحال إلى أقل من الصفر، وهذا حدث اقتصادي لم يشهده العالم من قبل وفي أي سلعة عالمية الطابع واستراتيجية القيمة، وفي دولة تعتمد في ميزانيتها على أكثر من 50 في المائة من إيرادات النفط، فقد كان لمثل هذه الأرقام أن تفعل أكثر الإجراءات صرامة وقيودا.
وكان حديث الأمير محمد بن سلمان عقب كلمة خادم الحرمين الشريفين في مجلس الشورى حديثا شفافا للغاية، وقدم مقارنة واضحة بما تم إعلانه في توقعات موازنة 2020، حيث كانت الإيرادات المتوقعة بـ 833 مليار ريال، منها 513 مليار ريال إيرادات نفطية، لكن تراجع أسعار النفط هذا العام تسبب في تخفيض هذه الإيرادات بأكثر من 30 في المائة لتبلغ قريبا من 400 مليار ريال، في الوقت الذي بلغت فيه الرواتب أكثر من 500 مليار ريال في الموازنة، ولو كانت هذه الظروف قد مرت في زمن غير هذا الزمن لما تمكنت الحكومة من تجاوز أزمتها، إلا من خلال اقتراض ضخم جدا، لكن الحكمة الرشيدة في قيادة الاقتصاد بتوازن أقل ما يقال عنه: إنه كان صعبا جدا، حيث تم الحفاظ على مستويات الإنفاق، وزيادة الدعم وأيضا الحفاظ على الوظائف من خلال استخدام أدوات المالية العامة وسياساتها الضريبية، التي مكنت من رفع الإيرادات غير النفطية إلى نحو 360 مليار ريال هذا العام، فنجحت المملكة في الحفاظ على رواتب المواطنين وأغلب البدلات والعلاوات، حيث بلغ إجمالي النفقات لعام 2020 نحو 1,068 مليار ريال مرتفعا بنسبة 4.7 في المائة عن الميزانية المعتمدة، وذلك نتيجة زيادة الإنفاق لتلبية المتطلبات الاستثنائية لمواجهة الجائحة خلال العام الحالي. حيث إن الاعتمادات الإضافية على الميزانية المعتمدة منذ بداية العام بلغت نحو 159 مليار ريال شملت زيادة الاعتمادات لقطاع الصحة لدعم قدرات القطاع لمواجهة الجائحة، إضافة إلى تعجيل سداد مستحقات القطاع الخاص. وقابل هـذه الزيادة وفر في بعض بنود النفقات بنحو 111 مليار ريال من جـراء إلغاء أو تمديد أو تأجيل بعض بنود النفقات التشغيلية والرأسمالية، فالحفاظ على المكتسبات وأيضا الخروج من الأزمة بأقل ما يمكن من الخسائر في الأرواح خاصة، ولهذا فإن نسبة الانكماش كانت أقل بكثير من دول اقتصادية كبرى قامت بإجراءات صارمة وحزم دعم غير مجدية، فالانكماش المتوقع للاقتصاد في عام 2020 لم يتجاوز 3.2 في المائة بينما وصل في بعض دول مجموعة العشرين إلى 8 في المائة، في وقت حافظت الميزانية السعودية على توازنها. ولا يمكن إنكار أن التحولات التي قادتها رؤية المملكة 2030 والصرامة في التنفيذ مع جهود مكافحة الفساد قد مكنت المملكة من تجاوز هذه الأزمة، ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد في عام 2021 بأكثر من 3 في المائة، فالتشريعات الضريبية التي شملت الضريبة على السلع الانتقائية وضريبة القيمة المضافة، ورسوم العمالة الوافدة، وأيضا تعديلات في الرسوم المختلفة، واعتماد آليات جديدة للتمويل باستخدام أدوات الدين، قد مكنت إدارة الميزانية من العمل بهدوء في وقت العاصفة الاقتصادية الهوجاء.
تأتي موازنة عام 2021 لتعكس العنوان نفسه، وهو الحفاظ على المكتسبات والعودة للمسار، حيث استمرت الدولة في ضمان تدفقات من الإنفاق الحكومي على مشاريع التنمية، خصوصا من خلال إقرار الإنفاق بقيمة 990 مليار ريال، مع تنمية الإيرادات لتصل إلى 850 مليار تقريبا، حيث تتم المحافظة على مستويات العجز عند أقل من 5 في المائة من الناتج المحلي، فالعودة للمسار، والمحافظة على المكتسبات هو العنوان الرئيس للاقتصاد السعودي في هذه المرحلة المهمة، وإذا كان من المتوقع الخروج من الأزمة الاقتصادية التي خلفتها كورونا خلال منتصف العام، فإن هذا الخروج يجب أن يكون منضبطا تماما، فالدعم الذي حظي به الاقتصاد السعودي خلال عام 2020 قد قاد إلى تحمل المالية العامة عجز الميزانية وصل إلى نحو 298 مليار ريال، للحفاظ على التوازن فقد سعت الموازنة العالم لعام 2021 إلى خفض هذا العجز لمستوى 141مليار ريال، كما أشارت وزارة المالية إلى العود للمسار نحو الانخفاض التدريجي على المدى المتوسط ليصل إلى ما يقارب 0.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023. ويأتي ذلك استكمالا للجهود الحكومية لتعزيز كفاءة الإنفاق وتحقيق مستهدفات الاستدامة والاستقرار المالي، فمن المتوقع أن تتم المحافظة على رصيد الاحتياطيات الحكومية عند 346 مليار ريال، وعند مستوى 280 مليار ريال في عام 2021 و265 مليار ريال في عام 2023.
إنشرها