قصة عدالتين

|
العدالة مفردة تستأثر باهتمام السلطة على مستوياتها كافة، والدساتير والوثائق والمعاهدات والاتفاقات على أي مستوى ترى في العدالة ركنا أساسيا، والعدالة كمفردة متوافرة في أي خطاب يتناول شؤون حياتنا، وهكذا نتحدث عن العدالة الاجتماعية والعدالة في توزيع الموارد والعدالة في الإجراءات والعدالة الاقتصادية والعدالة في التعامل وغيرها كثير. والعادل من أحب الصفات التي نطرب لها إن أغدقت علينا، خصوصا إن كنا في موقع السلطة والمسؤولية. لكن رغم أن العدالة كمفهوم وممارسة تناولها المفكرون والفلاسفة منذ بزوغ الحضارة الإنسانية، إلا أنه ما زال وسيبقى غيابها أو انتهاكها بمنزلة شكوى أزلية يرفعها الكل أو يترك أمر تحقيقها للباري - عز وجل.
مشكلتنا مع العدالة لا تنبع من تفسيرنا وتنظيرنا أو ممارستنا لها، المشكلة متأصلة في طبيعتنا البشرية التي من خلالها يتشكل لنا منظور اجتماعي وثقافي خاص بنا من الصعوبة بمكان تقبله للمنظور الثقافي والاجتماعي الخاص بالآخر. وإن حدث وتقبل الناس العدالة من منظور الآخر فهذا يكون في الأغلب رغم أنفهم، لأنه لا مناص لهم إلا العيش تحت حكم يطبق العدالة من منظوره.
وننسى في الأغلب أن مجرد ذكر مفردة العدالة في الدساتير والقوانين والإعلانات والتقارير والاتفاقيات شيء، وممارسة وتطبيق المفهوم على أرض الواقع شيء آخر.
وربما يكون الدستور الأمريكي الذي ظهر للوجود في نهاية القرن الـ 18 من أكثر دساتير الدنيا قربا لإحقاق العدالة. مع ذلك تعايش الناس مع نظام عنصري ومن خلال ممارسات يومية حتى على مستويات الخدمات العامة مثل التعليم والنقل حتى منتصف القرن الـ 20 تقريبا. وكانت الصدمة كبيرة حتى على مستوى الناس العاديين عندما اكتشفنا قبل نحو ثلاثة أشهر أن المجتمع الأمريكي، الذي يقوده دستور يعد تطبيق العدالة واحدا من أهم الأركان فيه كان يتعايش مع رموز على شكل مجسمات تمثل شخوصا، أياديها ملطخة بسفك دماء بريئة وتطبيق عنصري مقيت ضد المختلف لونا.
ومن ثم رأينا كيف أن هذه الرموز أخذت بالتساقط واحدا تلو الآخر، بعضها جرى إزالته طوعا، والآخر هدمه بعد هيجان شعبي واضطرابات ومسيرات ومظاهرات لم تخل من العنف أحيانا.
حدث كل هذا ليس لأن السلطة شرعية كانت أم تنفيذية أم قضائية، استشعرت أن البون بين النص الدستوري والواقع الاجتماعي يجب ردمه كي تتحقق العدالة.
الذي أشعل فتيل غياب العدالة في المجتمع كان مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد صاحب البشرة الداكنة اختناقا بعد أن ضغط شرطي أبيض على عنقه بقوة نحو ثماني دقائق في أيار (مايو) الماضي.
هل سنجافي واقعنا لو قلنا: إن هناك عدالتين في هذه القصة المأسوية أيضا؟ وإن لم يكن هناك منظوران للعدالة لما تجرأ الشرطي على القيام بذلك وصحبه من الشرطة واقفون يتفرجون. حدث كل هذا لأن في منظورهم كانوا يطبقون العدالة، وهو منظور أعوج بالطبع، لكنه دارج وجزء من واقعنا الاجتماعي. ونتجرأ ونقول، إن الواقع كان ربما سيغض الطرف عن الطريقة التي جرى بها خنق فلويد لولا المصادفة، وهنا نشير إلى عابر السبيل الذي التقط عملية الخنق وصورها ونشرها في وسائل التواصل. الفيديو الذي صور الحادث انتشر مثل النار في الهشيم وعبأ الناس فيما يشبه الثورة على غياب العدالة، ونحن في مستهل العقد الثالث من القرن الـ 21 وتحقيق العدالة في الدستور الأمريكي يعود إلى نهاية القرن الـ 18، لماذا لم يكترث الناس لغياب العدالة التي يؤطرها الدستور، وينتهكها الواقع، كل هذه المدة الطويلة؟.
ودشن قتل فلويد حركة ليست على مستوى أمريكا بل الغرب برمته لمراجعة النفس ورفع الظلم تحقيقا للعدالة الاجتماعية التي تدعو إليها الدساتير الوضعية وقبلها الدساتير السماوية.
وتصور الناس أن قصة فلويد ستفتح الأعين حول غياب العدالة وتقرب بين منظورنا لها والمنظور الذي يراه بها الآخر.
لكن دعنا نعد إلى مستهل مقالنا والتأطير النظري المبسط الذي قدمناه ونقول، هناك أكثر من عدالة، وفي كثير من الأحيان فإن العمل لتحقيق العدالة - أي المساواة بين المناظير المختلفة التي نراها بها - قد يقترف من الظلم ما يفوق الوضع السابق.
فبعد ثلاثة أشهر على مقتل فلويد يحتل صفحات الإعلام الرئيسة ومواقع التواصل شريطان، الأول لشرطي أبيض يطلق سبع رصاصات على رجل أسود مسالم أمام الملأ دون اكتراث منه ومن صحبه.
الشريط الثاني يظهر رجلا أبيض يحمل بندقيته الآلية على كتفيه ويتقدم صوب الشرطة بعد أن قتل شخصين بدم بارد في ساحة عامة، والكل يتصور أن الشرطة ستلقي القبض عليه وتعامله في أقل تقدير ببعض الخشونة. إلا أن الشرطة لا تكترث وتطلب منه أن يعود أدراجه إلى بيته، وهذا ما حدث. إنها قصة عدالتين، وأغلب الظن سنعيش معهما طالما تشبث كل واحد منا بمنظوره للآخر، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
إنشرها