انبعاثات الغازات الدفيئة والانخفاض القياسي

|
الآن وقد تم عزل ملايين الأشخاص في منازلهم، أصبح الجميع يستهلكون مزيدا من الطاقة خارج ساعات الذروة، ومن ثم وقعوا في قلق شديد بسبب الارتفاع المتزايد في قيمة فواتير الكهرباء. وإلى جانب التكلفة البيئية الواضحة للتغيير والزيادة في استخدام الطاقة في المنازل، فإن سداد فواتير ذات قيمة أكبر خلال أوقات عدم الاطمئنان الاقتصادي أمر كاف للتأثير في أعصاب الشعوب المتوترة بالفعل.
لكن في حين أن فواتير الطاقة المنزلية ربما تكون قد ارتفعت أثناء وجود الناس داخل منازلهم، إلا أن الاستهلاك الكلي للطاقة على كوكب الأرض قد سجل انخفاضا كبيرا. ووفقا لتقرير الربع الأول لوكالة الطاقة الدولية IEA، فمن المتوقع أن تنخفض انبعاثات الكربون العالمية 8 في المائة هذا العام، وهو أكبر انخفاض تسجله الوكالة على الإطلاق.
في الربع الأول من عام 2020 انخفض الطلب العالمي على الطاقة 3.8 في المائة، ويرجع جزء كبير من الفضل في ذلك إلى إجراءات الإغلاق الجزئي والكامل في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية. وكان تقرير وكالة الطاقة الدولية قد جمع بيانات عن 30 دولة في الفترة من الأول من كانون الثاني (يناير) حتى 14 نيسان (أبريل)، وخلص التحليل إلى أنه في الدول التي تم إغلاقها بالكامل بلغ متوسط الانخفاض الأسبوعي في الطلب على الطاقة 25 في المائة، في حين بلغ في الدول التي تم إغلاقها جزئيا 18 في المائة. ورغم أن فواتير الطاقة المنزلية الخاصة ربما لن تعكس هذا الاتجاه، فإن الانخفاض في استهلاك الطاقة بسبب المخاوف الصناعية والتجارية يفوق كثيرا الزيادة في الطلب المنزلي على الطاقة. وجاء في التقرير، "على مدار أسابيع عدة ظل نمط الطلب على الطاقة يشبه يوم عطلة أسبوعية ممتدة". وباختصار، كلما كان الإغلاق أطول وأكثر صرامة، كان ذلك أفضل للغلاف الجوي للأرض.
وقال فاتح بيرول المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية في بيان صحافي، "هذه صدمة تاريخية لعالم الطاقة بأكمله. وسط الأزمات الصحية والاقتصادية التي لم يشهدها العالم من قبل، فإن الهبوط في الطلب على جميع أنواع الوقود الرئيسة تقريبا أمر مذهل، خاصة للفحم والنفط والغاز. فقط مصادر الطاقة المتجددة هي الصامدة أثناء هذا الركود غير المسبوق في استهلاك الكهرباء. ولا يزال من السابق لأوانه تحديد الآثار طويلة المدى، لكن صناعة الطاقة بعد هذه الأزمة ستكون مختلفة بشكل كبير عنها قبل الأزمة".
وقد انخفض الطلب العالمي على الفحم بنحو 8 في المائة مقارنة بالربع الأول من عام 2019. وعزا المحللون ذلك إلى اعتدال شتاء 2020، ونمو مصادر الطاقة المتجددة، وأضرار الجائحة الوبائية على الاقتصاد الصيني كثيف الاستهلاك للفحم. كما انخفض الطلب على النفط 5 في المائة تقريبا. وتسبب توقف الطيران في جزء كبير من انخفاض الطلب على النفط، إضافة إلى تراجع نشاط النقل البري العالمي بمقدار النصف.
وقال بيرول، "نتيجة الوفيات الصادمة والأزمات الاقتصادية حول العالم، لم يحظ الانخفاض التاريخي في الانبعاثات العالمية بالاهتمام، ولم يقابل بالسعادة الواجبة. وإذا تذكرنا ما حدث بعد الأزمة المالية في عام 2008 وقارنا ذلك بالوضع الحالي، فمن المرجح أن نشهد قريبا ارتفاعا حادا في الانبعاثات مع تحسن الظروف الاقتصادية. لكن يمكن للحكومات أن تتعلم من هذه التجربة بوضع تقنيات الطاقة النظيفة متمثلة في مختلف أنواع الطاقة المتجددة وممارسات كفاءة الطاقة واستخدام البطاريات ووقود الهيدروجين وتقنيات احتجاز الكربون في صميم الخطط الموضوعة لتحقيق الانتعاش الاقتصادي. إن الاستثمار في هذه المجالات يمكن أن يوجد فرص عمل، ويجعل الاقتصادات أكثر تنافسية، ويوجه العالم نحو مستقبل طاقة أكثر مرونة ونظافة".
ومن الأخبار السارة أيضا، أن استهلاك الطاقة في غير المباني السكنية سجل أدنى مستوى له خلال 16 عاما في الولايات المتحدة، حيث تسبب فيروس كورونا المستجد في انخفاض كبير في استهلاك الطاقة في جميع أنحاء أمريكا منذ تطبيق تدابير البقاء في المنازل. لقد أغلقت الشركات بأكملها، وتوقف معظم النشاط الصناعي عن الإنتاج. ووفقا للمنتدى الاقتصادي العالمي، انخفض الطلب على الكهرباء 5.7 في المائة في الأسبوع الذي بدأ في 14 نيسان (أبريل) 2020 مقارنة بالأسبوع نفسه في عام 2019، وهو أدنى مستوى منذ عام 2004. وتوقعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن هذا المزيج من التباطؤ الاقتصادي وإجراءات البقاء في المنازل المستمرة، سيساعد على تقليل استهلاك الكهرباء والغاز الطبيعي في الأشهر المقبلة أيضا. وتتوقع الإدارة انخفاض استهلاك الطاقة في البلاد 3 في المائة عام 2020 قبل أن يعاود الارتفاع 1 في المائة عام 2021.
إنشرها