جنوب إفريقيا ودور المناهج المدرسية في التحول من العنصرية إلى الديمقراطية. (1 من 2)

|
يعيش العالم هذه الأيام حمى انطلاقة مونديال كأس العالم الذي يقام في جنوب إفريقيا. وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الأحداث الكروية ذات العلاقة بمشاركة المنتخبات في هذه التظاهرة العالمية التي تتكرر كل أربع سنوات، فإن قلة من يتأمل في تاريخ الدولة المضيفة، وكيف تطورت اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا حتى حازت شرف استضافة هذا العرس الكروي العالمي، وكيف كان للمناهج الدراسية دور مؤثر في معالجة تداعيات الفصل العنصري وبناء الدولة التي تعتز بقيم العدل والمساواة والحرية والديمقراطية، وهو ما يحاول هذا المقال تسليط الضوء عليه. جنوب إفريقيا، دولة إفريقية تعد الأغنى والأكثر تنمية بين دول إفريقيا، تغطي مساحتها 4 في المائة من مساحة قارة إفريقيا، ويشكل سكانها نحو 6 في المائة من سكان القارة. تقع دولة جنوب إفريقيا في الطرف الجنوبي من القارة على المحيط الهندي شرقاً، وعلى المحيط الأطلسي غرباً. تنقسم الدولة إلى تسع مقاطعات، وتوجد فيها ثلاث عواصم: العاصمة التشريعية، وهي مدينة كيب تاون، والعاصمة الإدارية وهي بريتوريا، والعاصمة الثالثة هي مدينة بلومفونتين، وفيها الهيئات القضائية, وتعد مدن جوهانسبرج، وكيب تاون وديربان، من كبريات المدن الحضرية. ووفقاً للموسوعة العربية العالمية (ج 8، ص ص 504-506، 1419) فإن السكان ينقسمون إلى أربع مجموعات عرقية حسب القوانين التي كان يعمل بها منذ 1984م إلى 1991. تلك المجموعات هي: 1- السود، ويمثلون 76 في المائة من مجموع السكان. 2- البيض يتحدرون من أصول أوروبية (هولندا، ألمانيا، وفرنسا)، ويمثلون 13 في المائة من مجموع السكان. 3- الملونون، يتحدرون من أصول عرقية مختلفة ويمثلون 8 في المائة من مجموع السكان. 4 - الآسيويون، قدم أسلافهم من الهند، ويمثلون نحو 3 في المائة من مجموع السكان. وألغت الحكومة سنة 1991م قانوناً قسم السكان على أساس عرقي، لكن ظلت التقسيمات العنصرية تؤدي دوراً في حياة السكان في جنوب إفريقيا. وبموجب الدستور المؤقت، ألغت الحكومة التمييز العنصري عام 1993. وتعد دولة جنوب إفريقا من الدول القليلة في العالم، من حيث سيطرة الأقلية العنصرية على الأغلبية, فالبيض يسيطرون على البرلمان الذي يصدر القوانين. وصدرت فعلاً عن ذلك البرلمان قوانين تشريعية للوصول إلى أهدافه العنصرية المختلفة، وهي قوانين تجعل العرق جزءاً أساسياً في كل تشريع يصدر في تلك الدولة، وذلك لتوطيد استعمارها الاستيطاني، وبشكل يضمن للبيض السيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويقوم النظام التشريعي في جنوب إفريقيا على وجود مجلسين للشيوخ والنواب، ويتحتم أن يكون جميع أعضائهما من البيض، لأن القانون يحظر على السود والملونين الآسيويين أن ينتخبوا سوى الأعضاء البيض، كما يحظر عليهم الترشيح لعضوية هذين المجلسين، وحتى حق التصويت المحدد دون الترشيح، الذي كان يتمتع به بعض السود، فإنهم حرموا منه بقانون 1949، وأصبح لا يحق لهم التصويت أو الترشيح للمجلسين، ولم يسمح للسود بالتصويت حتى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين. وعملت السياسة الحكومية على عزل المجموعات السكانية بعضها عن بعض سياسياً واجتماعياً. وتسمى هذه السياسة التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا. ومنذ عام 1991م بدأت الدولة تغير من تلك السياسة، من أجل توحيد السكان. وبسبب القوانين العنصرية انتقدت دول العالم سياسة جنوب إفريقيا، ورفضت الأمم المتحدة سياسة التمييز العنصري، وقطع كثيرا من دول العالم علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع جنوب إفريقيا. ومنذ ثمانينيات القرن الـ 20 بدأ بعض البيض يطالبون بمنح السود حق التصويت، وضرورة إلغاء سياسة التفرقة العنصرية. وبعد أن تخلت حكومة جنوب إفريقيا عن سياسة التمييز العنصري، استأنفت معظم الدول علاقاتها التجارية معها، كما سمح لها بالاشتراك في المنافسات الرياضية العالمية. وفي عام 1992، صوّت البيض في استفتاء عام بالإيجاب، طالبين بذلك من الحكومة المضي قدماً في تبني ديمقراطية غير عنصرية. وفي العام التالي ألغت الأمم المتحدة القيود التجارية كافة مع جنوب إفريقيا. وفي عام 1994 أجرت جنوب إفريقيا أول انتخابات ديمقراطية اختارت حكومة غير عنصرية (الموسوعة العربية العالمية، ج 8، ص ص 504-506، 1419). ولما أراد مجتمع جنوب إفريقيا أن يتخلص من تداعيات التفرقة العنصرية التي كانت سائدة حتى عام 1994، التفت إلى المناهج المدرسية مؤمناً بأهميتها في النهضة بجميع أشكالها، ومدركاً دورها في معالجة المشكلات التي يعانيها، وفي مقابلة التحديات التي تواجهه. وأبرزت نتائج دراسة قدمتها إلى ندوة بناء المناهج التي نظمتها كلية التربية في جامعة الملك سعود في عام 1424هـ، دور المناهج التربوية في جنوب إفريقيا المهم والحاسم في تحقيق الغايات التربوية التي رسمها الدستور الجديد الذي صدر عام 1996، وفي ترجمتها على أرض الواقع، حيث هدفت تلك المناهج إلى تطوير الإمكانات والقدرات لكل متعلم، بوصفه مواطناً في جنوب إفريقيا الديمقراطية. وهذا ما سأتناوله في مقالي الثاني حول هذا الموضوع. ___________________ (1) المرجع: بحث: «دور المناهج المدرسية في جنوب إفريقيا في التحول من العنصرية إلى الديمقراطية»، د. صالح بن عبدالعزيز النصار، مقدم إلى ندوة بناء المناهج: الأسس والمنطلقات. كلية التربية- جامعة الملك سعود (1424هـ).
إنشرها