القراءة والإنسان والتنمية

|
[email protected] لم يكن الاهتمام بالقراءة يمكن أن يتم في معزل عن الصورة الكلية للتنمية بشتى أنواعها في البلدان المتقدمة أو الحضارية. بل إن الدروس التاريخية المستلهمة من نهضة بعض الأمم وتقدمها على غيرها تفيد أن تلك الدول قد تملكت ناصية المعرفة التي هي وقود التنمية، ولن تحقق أمة أهداف التنمية حتى يقرأ شعبها. إن مجتمع المعرفة لا ينمو إلا داخل بيئة تؤمن بالمعرفة، والإقبال على القراءة إقبال على المعرفة، والمعرفة هي أساس التنمية الشاملة، بل إنها من متطلبات تنمية الإنسان، وإحدى الوسائل المعينة على تنمية القيم الدينية والثقافية الخيّرة، القيم الحافزة للعمل والإنماء والهوية والوعي بضرورة التطوير والتجديد أداةً للتقدم والتنمية. والتنمية الحقيقية هي في تنمية الإنسان والرقي باهتماماته ومعارفه وخبراته، وتنمية ميوله واتجاهاته نحو ما ينفعه وينفع أمته. الإنسان والتنمية لقد فرض مصطلح التنمية البشرية نفسه في الخطاب الاقتصادي والسياسي على مستوى العالم بأسره ويخاصة منذ التسعينيات، كما لعب البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة وتقاريره السنوية عن التنمية البشرية دورا بارزا في نشر وترسيخ هذا المصطلح. وتستدعي التنمية البشرية النظر إلى الإنسان هدفا في حد ذاته حين تتضمن كينونته والوفاء بحاجته الإنسانية في النمو والنضج والإعداد للحياة. إن الإنسان هو محرك الحياة في مجتمعه ومنظّمها وقائدها ومطورها ومجددها. الإنسان، كما قال حامد عمار (1418) هو محور التنمية. "تلك التنمية التي تركز على توفير حقوقه الإنسانية، وصيانة كرامته المستمدة من الوفاء بحاجاته في الطعام والشراب والملبس والصحة والضمان الاجتماعي وحريته في التعبير، ومن خلال المشاركة في حركة مجتمعه وعمرانه. ويقتضي ذلك - بطبيعة الحال - العمل على تنمية مختلف طاقاته البدنية والعقلية والاجتماعية والروحية والمهارية والإبداعية". من جهة أخرى، يشير تقرير التنمية الإنسانية لعام 2000 - وهو من أكثر التقارير جدلاً في الأوساط العلمية والسياسية والاجتماعية - إلى أنه على الرغم من الإنجازات التي حققتها البلدان العربية على أكثر من صعيد في مضمار التنمية الإنسانية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فإن السمة الغالبة على مشهد الواقع العربي الراهن تبقى هي تغلغل نواقص محددة في البنية المؤسسية العربية تعوق بناء التنمية الإنسانية، ومن هذه النواقص التي أشار إليها التقرير "نقص توظيف القدرات الإنسانية، ومنها المعرفة". ولا يجادل اثنان في أهمية المعرفة لبناء قدرات الإنسان المختلفة وتوظيف هذه القدرات في الإنتاج وبناء المجتمعات المتحضرة. كما أن نقص المعرفة وركود تطورها ينعكس بلا شك على ضعف القدرة الإنتاجية وتضاؤل فرص الإبداع والابتكار والتنمية. ومع تنوع واتساع قنوات المعرفة في العصر الحديث، وما ساهمت به تقنية المعلومات المتطورة من السرعة والسهولة في الوصول إلى المعارف والمعلومات، مع ذلك كله، فإن العامل المشترك في اتصال الإنسان بتلك المعارف هو القراءة. سواء أكانت القراءة من كتاب مطبوع أو من كتاب إلكتروني، أو من صفحة على الإنترنت، أو من قرص مدمج أو حتى من حاسب محمول أو هاتف خلوي. مجتمع المعرفة عرّف التقرير العربي للتنمية البشرية لعام 2003 مجتمع المعرفة بأنه "ذاك المجتمع الذي يقوم أساساً على نشر المعرفة وإنتاجها وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات نشاط المجتمع: الاقتصاد والمجتمع المدني والسياسة والحياة الخاصة، وصولاً إلى الارتقاء بالحالة الإنسانية باطراد، أي إقامة التنمية البشرية" (ص 3). ولم يقتصر تقرير التنمية على وصف واقع المعرفة في المجتمعات - العربية بل نظر إلى مجتمع المعرفة على أنه نموذج مجتمعي مثالي على المجتمعات العربية أن تتملكه. وقد وضع التقرير - لتحقيق هذا المجتمع جملة من الشروط هي: توطين العلم، وتطوير البحث والابتكار في ميدان التقانة، واستثمار المعرفة في المجالات الاقتصادية، وتأسيس نموذج معرفي عربي عام، أصيل، منفتح ومستنير يقوم على تأويل غير متطرف للدين، وتحديث اللغة العربية، واحترام التنوع الثقافي. الإنسان والقراءة تعد القراءة الحرة أحد أبرز مصادر المعرفة والثقافة أيا كان مصدر تلك المعرفة، أو زمانها، أو مكانها. لذا، فلا غرابة أن يلتقي القارئ وهو جالس في بيته بأخيه الإنسان في شتى أصقاع الأرض، وفي شتى العصور، ومن شتى الأعراق والأجناس. وهذه اللقاءات المعنوية التي تتم من خلال صفحات الكتب تزيد الإنسان ألفة بأخيه الإنسان، وتقربه منه، وتزيل الحواجز النفسية التي مردها الاختلاف الديني أو العرقي أو الطائفي لتشيع ثقافة الحوار وتقل ثقافة الصراع، وتسعد الإنسانية بإذن الله. بل إن الإنسان الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يعرف نفسه، أو يفهم ذاته، كما لا يستطيع أن يعرف من حوله، ويفهم أحوالهم، ويسبر أغوارهم، ويستفيد من تجاربهم. ومن مأثورات المهاتما غاندي التي يستشهد بها في الانفتاح الثقافي مع المحافظة على الكينونة والهوية قوله: "إنني لا أريد أن ترتفع الجدران من كل جانب حول بيتي، ولا أن يُحكم إغلاق نوافذي، إنني أريد أن تهب ثقافة كل أرض حول بيتي بأقصى قدر من الحرية، لكنني أرفض أن تقتلعني ريح أي منها من جذوري". القراءة والتنمية وإذا كان تقرير التنمية البشرية يعرف التنمية البشرية بأنها "عملية توسيع خيارات الناس" فإن القراءة يمكن أن تكون خير معين على الوصول إلى تلك الخيارات. ومن المتعارف عليه أن الخيارات الأساسية الثلاثة على جميع مستويات التنمية هي: 1- أن يحيا الإنسان حياة طويلة وصحية خالية من الأمراض. 2- أن يكتسب المعرفة. 3- أن يحصل على الموارد اللازمة لمستوى معيشي كريم. ولا شك أن القراءة تساعد الإنسان على اكتساب الثقافة الصحية التي تعينه على أن يحيا حياة صحية وخالية من الأمراض، كما تساعده على اكتساب المعارف والخبرات التي تجعل منه إنساناً منتجاً وفاعلاً في المجتمع ومتفاعلاً مع ما حوله، والإنسان من خلال القراءة يستطيع أن يرتقي بمهاراته وخبراته التي تعينه على كسب رزقه والعيش بمستوى كريم. وإذا كان للقراءة مثل تلك الأهمية وذلك الدور الذي تؤديه في حياتنا؛ فيجب الاهتمام بتعليمها في مراحل التعليم العام والجامعي، ومساعدة التلاميذ على التمكن من مهاراتها، وتنمية اتجاههم الإيجابي نحوها، وتوجيههم إلى مصادرها الأصيلة، ومنابعها الراقية. بل إن الآثار السلبية لضعف القدرة على القراءة، أو ضعف الاتجاه نحوها، لا تقف عند الأفراد الذين يعانون منها وحدهم بل تمتد إلى المجتمع كله؛ فقد دلت الإحصاءات (في الولايات المتحدة) على أن ذوي المستوى المتدني في القراءة يشكلون معظم العاطلين عن العمل، والمنقطعين عن التعليم، والفقراء، والمدانين بجرائم، وهذه لا شك من أكبر معوقات التنمية، ومن الأسباب التي تضيق خيارات الناس في جميع مستويات التنمية التي أشار إليها التقرير العربي للتنمية البشرية. القراءة والإنسان والتنمية إن الثقافة أساس بناء الإنسان، والبنية الثقافية أساس كل تنمية، ولا يمكن أن تتم أي تنمية اقتصادية أو علمية أو اجتماعية بمعزل عن التنمية الثقافية، ولا سبيل إلى التنمية الثقافية إلا بالقراءة والاطلاع والبحث وتحصيل المعرفة. لذا، فلا في على أن القراءة يجب أن تكون أسلوب حياة، ولاسيما أنها وسيلة لتطوير الذات وحل المشكلات، وهي ضرورة لتنمية المجتمع بشكل عام، مما يستدعي تضمين خطط الدولة التنموية نشر الوعي بأهمية القراءة، وبضرورة تنمية مهاراتها. ومن المعلوم أن التنمية والحضارة في أي بلد تعكسان إلى حد كبير نسبة الذين لا يستطيعون القراءة والكتابة فقط بل يقرأون ويكتبون، أي ينتجون المعرفة ويقرأون إنتاج الآخرين. وكلما زادت نسبة المتعلمين الفاعلين في بلد زاد تطور مظاهر التنمية فيه الاقتصادية والثقافية والعلمية والتقنية، كما تزداد فيه مظاهر الرقي والتحضر والعيش الكريم. لذا، فلا غرابة أن تقدر معظم المجتمعات القراءة والمعرفة حق قدرها، فالقراء الإيجابيون يساهمون في خلق مجتمع منتج ومزدهر، كما يتمتعون في الوقت ذاته بحياة ماتعة وسعيدة. ومن منطلق التنمية الشاملة التي محورها الإنسان، فإن تنمية الإنسان القارئ يجب أن تكون هدفاً أساسياً من أهداف التنمية التي تنشدها الأمم. بمعنى آخر، يجب أن تكون أنشطة وفعاليات القراءة بجميع أشكالها حاضرة في كل أهداف التنمية، الصناعية والتقنية والزراعية والثقافية والاجتماعية وغيرها. كما يجب أن تكون حاجة الإنسان إلى القراءة والاطلاع حاضرة في أذهان الخبراء والمسؤولين والمخططين لأهداف وفعاليات التنمية. إن القراءة ضرورة وحاجة ملحة لزيادة المعرفة واكتساب المهارات المتقدمة، وفهم العالم بشكل أفضل. ولن تنهض أمة أو تتقدم دون أن تكون القراءة في طليعة أولويات التنمية فيها.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها