تطوير التعليم العالي: مواجهة الأحداث والتوجهات

|
[email protected] أتيحت لي الفرصة - مبعوثاً من وزارة التعليم العالي - لحضور ورشة عمل في مدينة دبي تهدف إلى مساعدة الجامعات العربية على التخطيط والاستعداد لمستقبل التعليم العالي في الألفية الجديدة. وقد حضر الورشة أكثر من ثلاثين مشاركاً - عرب وأجانب - من دول خليجية وعربية وإسلامية، يجمعهم هم واحد هو كيف يمكن مساعدة الجامعات العربية على أن يكون لها مكان في سباق الجامعات العالمي، والمنافسة على الدخول في قائمة أفضل (200) جامعة، أو قائمة أفضل (500) جامعة، أو على الأقل قائمة أفضل (3000 ) جامعة. وقد اشتملت ورشة العمل على موضوعات تدور حول فحص المعطيات والعوامل المؤدية إلى نجاح تخطيط التعليم العالي، وتعرف أدوات وأساليب بناء استراتيجية التعليم العالي. لكن أكثر ما شد الحضور هو تركيز المحاضر الرئيس في ورشة العمل وهو الدكتور جيمس موريسون - أحد أشهر الخبراء في مجال تطوير التعليم العالي - على استعراض التوجهات الحديثة في مجال التعليم العالي ومحاولة القائمين عليه فهم الأحداث الجارية، وتوقع الأحدث المستقبلية والاستعداد التام لها. وهو ما سيكون محور الحديث في هذا المقال. وعندما يشار إلى الحدث (مفرد الأحداث) في هذا المقال فإنما يقصد به الحدث الذي يؤدي إلى تغير كبير في المنطقة، وتغير التعاطي المحلي والعالمي مع نتائج ذلك الحدث، مثل ما حدث بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أو سقوط جدار برلين، أو أحداث 11 (سبتمبر). فمثلاً، من الأحداث المتوقعة في السنوات العشر القادمة: ظهور قوى أو تحالفات أو تكتلات اقتصادية جديدة في المنطقة، الصراع النووي في منطقة الشرق الأوسط، إيجاد بدائل جديدة للطاقة وانخفاض أسعار البترول، تغير في مراكز القوى نظير الصراع أو الحرب القائمة في العراق أو فلسطين، أو حتى في إيران، تملك بعض دول المنطقة للقنبلة النووية، أو تمكن دول الخليج من تصنيع واستخدام الطاقة النووية الآمنة.. إلخ. وعلى القائمين على الجامعات في الوطن العربي إعمال الفكر في التوقعات المستقبلية للأحداث والتطورات المحلية والإقليمية والعالمية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، والاستعداد لهذه الأحداث والاستجابة بسرعة لمقابلة احتياجاتها وانعكاساتها على مؤسسات التعليم العالي، بدلاً من انتظار مواجهتها إذا حدثت، أو ترقب ردة فعل الآخرين في الدول المتقدمة تجاه هذه الأحداث للعمل مثلهم، واتباع سبيلهم، بعد أن يكونوا قد تجاوزوا تلك الأحداث إلى مواجهة أحداث أخرى أكثر حدة وإلحاحاً. وإضافة إلى توقع الأحداث المستقبلية والاستعداد لها، على المعنيين بتطوير التعليم العالي ملاحظة التوجهات الحديثة الناجمة عن التحول في بعض المتغيرات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو العلمية، مثل ازدياد معدلات الطلب على التعليم العالي نتيجة التحولات الديمغرافية، وظهور ما يسمى بالتقنية الراقية (ذات محتوى علمي ومعرفي متقدم جداً)، ونمو الاقتصاد القائم على المعرفة، وزيادة الطلب على التعلم الإلكتروني أو التعليم عن بعد، وارتفاع مستوى الاعتناء بالجودة والاعتماد الأكاديمي، وارتفاع مستوى الاهتمام بالبحث العلمي، وظهور متطلبات أو مهارات جديدة في سوق العمل، وارتفاع مستوى الطلب على الأيدي الوطنية المدربة، وزيادة أعداد الهجرة العكسية للعمال الأجانب من بلد العمل إلى الوطن الأصلي. والمعنيون بتطوير التعليم العالي يدركون أن لتلك الأحداث والتوجهات انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على مستقبل التعليم العالي سواء من جهة ظهور تخصصات علمية جديدة نتيجة تلك الأحداث، أو استخدام وسائل وطرق حديثة في التعليم والتعلم، أو بروز معايير جديدة في كفاءة ومؤهلات خريجي الجامعات لمقابلة الاحتياجات المتلاحقة والسريعة لسوق العمل العالمي وليس المحلي فقط. ومن ثم فلا مناص من الشروع في إعادة النظر في أنظمة التعليم العالي عموماً، وأنظمة البحث العلمي خصوصاً، حتى لا تصبح تلك الأنظمة عائقاً أمام تحويل تلك الأحداث والتوجهات (والمتوقع أن تتسارع وتيرتها في المستقبل) إلى ابتكارات تقنية وعلمية تحقق المزيد من النمو والإنتاجية والرفاهية للوطن والمواطن. هذا على مستوى التعليم العالي عموماً، أما على مستوى الجامعات، فإن على كل جامعة أن تعد نفسها للمستقبل، وأن تسعى إلى دعم موقفها العلمي والتقني لتضييق الفجوة بينها وبين الجامعات المتقدمة قدر المستطاع. وفي هذا الصدد، يجب على كل جامعة أن تنشئ ما يمكن أن يسمى "لجنة التخطيط الاستراتيجي" تضم نخبة من العلماء والمفكرين وأساتذة الجامعة المتميزين للإسهام بشكل إيجابي في معرفة الأسباب الحقيقية لتأخر الجامعة واقتراح الحلول الواقعية لها، والوصول إلى رؤى منطقية، وحدود زمنية لتنفيذ تلك الاستراتيجيات والأهداف. على أن تقوم اللجنة باستخدام أساليب واستراتيجيات جديدة في تشخيص مشكلة تأخر الجامعة علمياً وتقنياً مثل حلقات النقاش والعصف الذهني ومجموعات التفكير. إن اتخاذ القرارات السريعة والحكيمة في الوقت نفسه لمقابلة التغيرات المتسارعة والمؤثرة في مؤسسات التعليم العالي سيكون هو السمة المسيطرة في العقد القادم، وإذا لم تعدل مؤسسات التعليم العالي من آليات اتخاذ القرار وآليات التنفيذ والمتابعة المعمول بها حالياً فلن يكتب لجهودها النجاح في ملاحقة التغيرات المتسارعة في شتى المجالات، وستبقى صورة الجامعة التابعة التي تنتظر ردود أفعال الجامعات المتقدمة نحو تلك التوجهات والأحداث، هي الصورة المسيطرة على جامعاتنا ما لم تكن لها المبادرة الفاعلة في التغيير والتطور على جميع المستويات. وفي هذا الإطار، لابد من الوقوف عن كثب على التجارب الناجحة لبعض الجامعات العالمية في قائمة أفضل (200) جامعة، ومحاولة فهم استراتيجية التحول الجذري من جامعات متأخرة أكاديمياً وإدارياً إلى جامعات يشار إليها بالبنان في قائمة أفضل الجامعات العالمية، وكيف استطاعت تلك الجامعات التحول من جامعات ناقلة للمعرفة إلى جامعات صانعة ومنتجة للمعرفة، وكيف استطاعت التنبؤ بالأحداث والتوجهات المستقبلية في العالم وتوظيف تلك الأحداث أو التوجهات في مزيد من الإنجازات التقنية والمعرفية السريعة والمذهلة. بل إن بعض الجامعات المتقدمة استطاعت بفضل علمائها ومفكريها المشاركة في صناعة تلك الأحداث والتوجهات وتوجيه الرأي العام أو الرسمي للتصرف حيال تلك الأحداث حسب ما تراه صائباً أو يخدم أهدافاً وتوجهات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية معينة. وإذا قامت الجامعة بدورها المطلوب في توقع الأحداث والتوجهات المستقبلية والاستعداد لها، والتصرف بفاعلية حيالها، فستكون –فعلاً- قلباً نابضاً للمجتمع في تطور مؤسساته، ونمو اقتصاده، وحماية أمنه الاستراتيجي، وفي مساعدة أبنائه على أن تكون لهم الريادة في البحث والتفكير والتطوير. كلية التربية - جامعة الملك سعود

اخر مقالات الكاتب

إنشرها