مركز الدعم التربوي للأمن الفكري والانتماء الوطني

|
تفاعلا مع أعمال المؤتمر الوطني الأول للأمن الفكري الذي ينظمه كرسي الأمير نايف بن عبد العزيز لدراسات الأمن الفكري في جامعة الملك سعود، استحضرت في ذهني أهمية تأسيس مركز دائم للدعم التربوي للأمن الفكري والانتماء الوطني. فالأمن بمفهومه الشامل، الركيزة الأساس التي يستمد منها المجتمع استقراره وتقدمه وحضارته وازدهاره. كما أن الانتماء إلى الوطن صمام أمان لحماية البلاد من الفتن والأهواء والأفكار المنحرفة والضالة التي تعود بالدمار على البلاد والعباد على حد سواء. والأمن الفكري والانتماء الوطني مطلبان مهمان لكل أمة، بل إنهما يأتيان على رأس المقاصد والغايات التربوية والأمنية المهمة؛ لحماية الوطن وحفظ مقدراته ومكتسباته، ورعاية المواطنين للعيش بسلام فيما بينهم، والمساهمة المنتجة والفاعلة في بناء الوطن ورفعته. ولأهمية الأمن الفكري والانتماء الوطني، وتأثيرهما في مجريات الحياة العامة للأفراد، ومجريات نشاطات أعمال الدول، فقد دأب قادة الأمة والمسؤولون عن الأمن فيها على الدعوة إلى تعزيزهما، وتربية النشء عليهما؛ لكونهما يشكلان الركيزة الأساسية لمنظومة الأمن والتطور في المجتمع. ويؤكد هذا المعنى الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية بقوله: "إن الغزو الثقافي والاختراق الفكري ليس مقصورا على دولة بمفردها، ولكن هناك جماعات وحضارات مختلفة تتوجه بقواها؛ لتحقيق التأثير الفكري والثقافي الذي تريد، ومعرفة هذه القوى ومصادرها وخطورة تأثيرها أمور أساسية؛ لمواجهة وسائلها ومضامينها، ومن ذلك الحرص على أن يكون التعليم أحد حصون المواجهة، فالأجيال التي تتربى على العقيدة السليمة، وتأكيد هويتها الحضارية، واعتزازها بها، لن تكون أجيالا سهلة لأي غزو، كما أن وسائل الإعلام هي الأخرى معنية بالتربية والمواجهة، وهذا يتطلب وجود إعلام واع بمسؤوليته تجاه أمته، ونحن في المملكة أدركنا هذه الحقائق مبكرا وعملنا ولا نزال نعمل على سد كل منافذ الاختراق الفكري صيانة لمواطنينا". (جريدة عكاظ ـ العدد 11565). إن أخطر ما يهدد المجتمع فقدان الأمن بجميع أشكاله، وضعف الانتماء إلى الوطن بجميع مظاهره، ومن هنا تظهر أهمية أن تتضافر جهود المؤسسات بمختلف أنواعها ومسؤولياتها في المملكة لترسيخ الأمن الفكري، وتعزيز الانتماء الوطني؛ وصولا إلى الأمن الشامل الذي يحمي العباد والبلاد من آثار الجريمة والانحراف والتخلف. ولن يتحقق لهذه المؤسسات تأدية أدوارها في المحافظة على الأمن وتعزيز الانتماء بالشكل الفاعل المطلوب إلا بالتنسيق والتعاون فيما بينها. وإذا كان الأمن الشامل مسؤولية الأمة بجميع فئاتها، وعلى اختلاف اختصاصات أفرادها وأعمالهم ومهماتهم، فإن تعزيز الأمن الفكري والانتماء الوطني مسؤولية المؤسسات التربوية بشكل خاص؛ لارتباطها الوثيق بالتنشئة والتربية والتعليم وتنمية المهارات وتغيير الاتجاهات الإيجابية وتعزيز السلوكيات الخيرة، وتعميق الوعي الأمني لدى المواطنين، ولن تتمكن هذه المؤسسات التربوية من تأدية رسالتها العلمية والثقافية والاجتماعية والأمنية إلا بالتعاون والتفاعل الإيجابي مع الجهات الأخرى. ومن إيمان المسؤولين في مؤسسات التربية والتعليم بأهمية تعزيز قيمة الأمن الفكري والانتماء الوطني في نفوس الطلاب والطالبات، فقد انطلق عديد من المشاريع والنشاطات الصفية وغير الصفية بهدف حماية الأمن الفكري لدى الطلبة، كما أقيم عديد من الفعاليات والندوات والمؤتمرات التي تسلط الضوء على هذا الموضوع الحيوي وتبحث في سبل تعزيزه وتحقيقه على أرض الواقع. ومع خطورة المشكلات الفكرية التي ظهرت في بعض أوساط الشباب عموما، والطلبة خصوصا، مثل التطرف والغلو والتكفير والإرهاب وضعف الانتماء إلى الوطن، وعظم آثار ذلك في الفرد والمجتمع، وقيام عديد من الجهات التربوية والإعلامية والاجتماعية بأدوارها تجاه محاربة الأفكار الضالة والسلوكيات المنحرفة لدى الشباب وخاصة الطلبة منهم، فقد بدت الحاجة إلى إنشاء مركز دائم للدعم التربوي يسهم في تقوية جانب المسؤولية الفردية تجاه المحافظة على أمن الوطن وحماية مكتسباته ومدخراته من جهة، وفي تقوية جانب الاعتدال والتسامح وإضعاف جانب الغلو والتكفير من جهة أخرى. كما يتولى مركز الدعم التربوي التنسيق بين جهود المؤسسات التربوية والإعلامية والاجتماعية؛ لزيادة نشاطاتها في أداء أدوارها الوطنية، وكذلك التخطيط - بشكل احترافي - للبرامج والأنشطة والفعاليات التربوية الإصلاحية والوقائية، وتأليف المواد السمعية والمرئية والمقروءة، التي تستهدف شريحة الشباب عموما، والطلاب والطالبات خصوصا، ويكون مركزا لدعم الجهود التربوية في مؤسسات التعليم العام والعالي والمهني التي تستهدف نشر الفكر الصحيح، وتنمية الميول والاتجاهات الإيجابية نحو الوطن، وتعزيز قيم العدل والمساواة والتسامح والوسطية في أوساط الشباب عموما والطلبة خصوصا في السعودية. أخيرا، فإن المسؤولية الفردية والجماعية في المحافظة على أمن الوطن ورعاية مكتسباته ومدخراته هي قيمة، وغرس هذه القيمة في نفوس الطلبة يتطلب بروزها بشكل دائم في البيئة التعليمية والتربوية، وهذا يعني استمرار الأنشطة والفعاليات والبرامج التي تذكر بقيمة المسؤولية الفردية والجماعية في تعزيز الأمن الفكري والانتماء الوطني على مدار العام الدراسي، وليس في مناسبات منعزلة سرعان ما يزول أثرها.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها