قراءة في مفاهيم الوطنية والمواطنة والإرهاب

|
[email protected] يعد إعلان وزارة الداخلية المتعلق بالقبض على عناصر عدد من الخلايا الإرهابية مؤشراً مهماً على حتمية المراجعة الجذرية للمفاهيم والممارسات التي تقوم عليها أدوارنا تجاه مجتمعنا، وعلى ضرورة إعادة النظر في الحدود الثابتة والتقليدية لمفاهيم الوطنية والمواطنة في المجتمع، وعلى أهمية تحديد أطر الإجرام والإرهاب وحدود وصفات المتلبسين بهما، وكل ذلك يجب أن يتم بصورة جلية وواضحة للصغير والكبير، والمعلم والمتعلم، والأم والأب. وقد حظيت مفاهيم الوطنية والمواطنة والإرهاب في الآونة الأخيرة بحضور اجتماعي وزخم إعلامي لم تعهد له مثيلاً من قبل، ومع ذلك، فإن هذه المفاهيم الثلاثة لم تحظ بعد بتجلية الفروقات بينها، أو توضيح مدى الترابط أو التأثير والتأثر فيما بينها. وإذا كان الفرق واضحاً بين مفهومي الوطنية والإرهاب، فإن تداخلاً كبيراً بين مفهومي الوطنية والمواطنة لا يزال عالقاً في ذهن كثير من المتابعين، بل إن كثيراً من الباحثين والمؤلفين يستخدمون المفهومين بشكل ترادفي للدلالة على معنى واحد. وتبرز أهمية التفريق بين هذين المفهومين عندما تتوجه الجهود الرسمية والتربوية لغرسهما في نفوس الناشئة، ولتربية الناس عليهما، كما أنهما يشكلان قاعدة مهمة في الوصول إلى تحديد مفهوم "الإرهاب" وما يندرج تحته من معتقدات وسلوكيات. وفي رأيي، المبني على دراسة نشرت بالاشتراك مع زميلي الدكتور راشد العبد الكريم بعنوان: "التربية الوطنية في مدارس المملكة العربية السعودية: دراسة تحليلية مقارنة في ضوء التوجهات التربوية الحديثة" وقدمت للقاء السنوي الثالث عشر لقادة العمل التربوي في مدينة الباحة، فإن "الوطنية" تشير إلى شعور الفرد بحبه لمجتمعه ووطنه، واعتزازه بالانتماء إليه، واستعداده للتضحية من أجله، وإقباله طواعية على المشاركة في أنشطة وإجراءات وأعمال تستهدف المصلحة العامة. بمعنى أن الوطنية شعور قلبي ووجداني يُترجم في المحبة والولاء والميل والاتجاه الإيجابي والدافعية الذاتية للعمل الخلاق الذي يستهدف رفعة الوطن. أما مفهوم "المواطنة" فيشير إلى الجانب السلوكي الظاهر المتمثل في الممارسات الحية التي تعكس حقوق الفرد وواجباته تجاه مجتمعه ووطنه، والتزامه بمبادئ المجتمع وقيمه وقوانينه، والمشاركة الفعالة في الأنشطة والأعمال التي تستهدف رقي الوطن والمحافظة على مكتسباته. وفي ضوء هذا التفريق بين مفهومي الوطنية والمواطنة، فإن المواطنين يتمايزون فيما بينهم في وطنيتهم ومواطنتهم بحسب تربيتهم وثقافتهم وتأثير التعلم في سلوكهم. فمن المواطنين من تقلّ لديه صفات الوطنية والمواطنة إلى حد وصفه بأنه سلبي في مواطنته وغير منتم في وطنيته، وهذا الصنف من الناس لا يقدم الخير لأمته، ولا يشجع من يعمل الخير، ولا يلتزم بسلوك الجماعة السوي، ومع أنه لا يظهر الشر لوطنه إلا أن مبادرات الشر لديه تجاه وطنه قد تظهر في أية لحظة. ومن المواطنين من يرتفع لديه مستوى سلوك المواطنة، إلا أن انتماءه وحبه للوطن منخفض، فهو لا يظهر محبته لوطنه إلا أنه في الغالب يتقيد بأنظمة الوطن ويؤدي ما عليه من حقوق وواجبات تجاه وطنه إما رغبة أو رهبة. في المقابل، من المواطنين من يرتفع لديه مستوى الوطنية إلا أن سلوك المواطنة عنده منخفض، فهو يشعر بانتمائه وحبه للوطن ويعتز بذلك، لكنه قد يقصّر في أداء ما عليه من حقوق وواجبات تجاه وطنه، كما أنه لا يلتزم بالسلوك والقوانين التي يقرها ولي الأمر أو ترتضيها الجماعة. أما الفئة الرابعة من المواطنين فهم من يرتفع لديهم مستوى الوطنية (الانتماء للوطن) كما يرتفع عندهم أيضا مستوى المواطنة (السلوك الإيجابي في خدمة الوطن)، فالمواطن في هذه الفئة معتز بوطنه، منتم إليه، متمسك بالسلوك السوي للمواطنة، بحيث إنه يعرف واجباته وحقوقه، ويدخل في ذلك حقوقه في مدرسته أو جامعته أو دائرته أو مؤسسته التي يعمل فيها، أو مصنعه الذي يشتغل فيه. كما يعرف الفرد من هذه الفئة حقوق غيره من فئات المجتمع بدءًا بحقوق ولاة الأمر وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين وولي عهد الأمين – يحفظهما الله - ومرورا بحقوق العلماء والمسؤولين والفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن، وانتهاءً بحقوق الوافدين والمقيمين وغير المسلمين، وغير ذلك ممن لهم حقوق ينتظرون من الآخرين أداءها. وهذه الفئة من المواطنين هم الذين يمثلون النموذج الأفضل، وهو ما تسعى إلى تكوينه مناهج التربية الوطنية، وما تهدف إلى تنشئته الأمم والشعوب، وهو الورقة الرابحة في منظومة التنمية والتطوير التي تهدف إليها كل الأمم. بقيت فئة خامسة من المواطنين شاذة كلياً عن الأوصاف الأربعة السابقة. وهذه الفئة يوصف الأفراد فيها ليس بنقص الانتماء للوطن فحسب بل بما هو أكثر سلبية، وهو بغض وكره ذلك الوطن، كما أنهم في بعد المواطنة لا يكتفون بعدم ممارسة السلوك الصحيح للمواطنة، بل يسلكون سبلا تخريبية تنقض سلوك المواطنة والسلوك المدني بعامة، ومثال تلك الفئة الخوارج المفسدون في الأرض والإرهابيون الضلاّل، فهم يبغضون الجماعة التي هي لحمة الوطن ويخرجون عليها وعلى ولاة الأمر، كما أنهم يسعون في الأرض فساداً، ويهدمون ما يعتز الوطن به من مكتسبات وإنجازات، فلم يبق لهم من وصف الوطنية والمواطنة شيء، وليس لهم إلا أن يوصفوا بالإرهابيين المفسدين في الأرض. ومع بروز هذه الفئة في المجتمع – وإن كانت قليلة لا تذكر بحمد الله - فإن مسؤوليتنا تجاه وطننا تبدو أكبر. فمن جهة، يجب أن تتضافر كل الجهود للوصول إلى نموذج المواطن الذي يحب وطنه، ويعتز بانتمائه إليه، ويلتزم بمبادئه وقيمه وقوانينه وأخلاقه، ويتفانى في خدمته، ويشعر بمشكلاته ويساعد في حلها، ويسهم بشكل إيجابي في نمو الوطن وتطوره. ومن جهة أخرى، يجب إبراز ميزات هذا البلد الشرعية والمادية والحضارية، ومقدار الجهود التي بذلت في بنائه والمحافظة عليه، والتحديات التي تواجه قوته وبقاءه، والدور الكبير الذي ينتظر أبناءه ورجاله في المحافظة على مدخراته وقدراته، ومحاولة الرقي به ليتبوأ المكانة اللائقة به. أخيراً، فقد بتنا نواجه تحدياً وطنياً يستوجب منا مراجعة أدوارنا ومسؤولياتنا المطلوبة منا تجاه وطننا، وأن نحاسب كل من يقصر في أداء دوره، أو يتقاعس في القيام بمهمته، فنحن في سفينة وطنية واحدة، وأي خرق في تلك السفينة، أو تقاعس في حمايتها، سيؤدي إلى خسارة الجميع. ويجب أن نذكّر أبناءنا وبناتنا بالمسؤوليات والواجبات المترتبة على العمل بمفاهيم الوطنية والمواطنة، وأن نبين لهم أن الدرع الواقي – بإذن الله - لحماية هذا الوطن ومكتسباته هم رجاله وشبابه وبناته، وأنه إن تقاعس أبناء الوطن، ولم يقوموا بواجباتهم، أو لم يتحملوا مسؤولياتهم فإنهم سيكونون أول الخاسرين – لا قدر الله -، فما الوطن إلا بشبابه، وما قوته إلا بقوتهم، ولا رقيه إلا برقيهم. أستاذ المناهج وتعليم اللغة العربية المشارك جامعة الملك سعود كلية التربية

اخر مقالات الكاتب

إنشرها