Author

كيف نستثمر في الابتكار؟ «4 من 4»

|

*أستاذ وباحث في الهندسة الإلكترونية والأنظمة الدفاعية

عند الحديث عن الاستثمار في الابتكار لا بد لنا أن نتطرق إلى عامل مهم جدا ألا وهو محور المنشآت التصنيعية والإنتاجية كأحد العوامل المهمة التي يستند إليها نجاح عملية الاستثمار في الابتكار، وهو لا يقل أهمية عن العوامل والمحاور الأخرى التي تناولناها بشكل عام في المقالات السابقة، والتي ستحقق في مجملها ما ذكرناه أن أي ابتكار مخطط له بأهداف واضحة ستكون النتيجة الحتمية له هي تحقيق استثمار ناجح متطور ومستدام.
تلعب المنشآت الصناعية والإنتاجية دورا كبيرا في عملية تقدم الدول الصناعية المتقدمة كالصين واليابان والولايات المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وغيرها، أو الحديثة في مجال التصنيع ولا شك أن لهذه المنشآت التأثير الكبير في النمو الاقتصادي لهذه الدول، بل إنها تشكل إحدى الركائز المهمة لتحقيق الأسبقية والاستدامة الاستثمارية.
ارتكزت العملية الصناعية في المملكة سابقا على النفط وخصصت الدولة لهذا القطاع وتطويره عديدا من أنواع التحفيز والدعم، ومن ذلك إنشاء صندوق التنمية الصناعية السعودي في 1974 وتوالى الاهتمام إلى أن تم إنشاء الهيئة الملكية للجبيل وينبع "الصناعية"، ثم أنشئت شركة سابك في 1976، لتصبح إحدى الشركات العالمية والرائدة في مجال صناعة البتروكيماويات.
ولم يتوقف هذا الاهتمام إلى هذا الحد كون تطوير الاقتصاد الوطني أصبح ضرورة ملحة، ويعتمد على تنويع وتنمية مصادر الدخل، فقد جاءت رؤية المملكة 2030 ليكون من ضمن أهدافها أن تصل مساهمة قطاع التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي 15 في المائة، ومن برامجها تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، ولأهمية هذا المجال صدر الأمر الملكي في 2019 بإنشاء وزارة تعنى بهذا القطاع بشكل خاص بمسمى وزارة الصناعة والثروة المعدنية دعما لذلك.
وأصبحنا نشاهد عديدا من المصانع والمدن الصناعية حيث يوجد ما يقارب 36 مدينة صناعية وأكثر من عشرة آلاف من المصانع "المنشآت الإنتاجية" إضافة إلى عديد من الهيئات الصناعية، منها الهيئة العامة للصناعات العسكرية General Authority for Military Industries GAMI والهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية Saudi Authority for Industrial Cities and Technology Zones MODON والشركات الصناعية منها كذلك الشركة السعودية للصناعات العسكرية Saudi Arabian Military Industries SAMI.
وعلى اختلاف تخصصات هذه المصانع والمنشآت التصنيعية والهيئات إلا أنها تشترك من حيث المبدأ التطويري في وجود وتهيئة وإنشاء وتفعيل مبادئ الابتكار حسب احتياجها ليكون قاعدة حيوية لصناعتها المختلفة وتطورها. وكون التوجه العالمي الآن نحو اقتصاد مبني على المعرفة، فلا بد أن تغير هذه المنشآت استراتيجياتها في العملية التصنيعية والتوجه من التصنيع الكمي إلى الابتكارات النوعية في الصناعة، كوننا لا نستطيع المنافسة في توفر الأيدي العاملة كالصين والهند على سبيل المثال. لذا قد يكون من الأجدى التركيز على تصنيع التقنيات والابتكارات الدقيقة ذات القيمة النوعية الفعالة مثل الرادارات في مجالاتها المختلفة المدنية والدفاعية والروبوتات وUAV وغيرها، ولعل الإعلان أخيرا عن إنشاء مدينة نيوم الصناعية "أوكساچون" التي من المتوقع أن تكون مثالا لمراكز التصنيع المستقبلية واعتمادها بشكل كلي على أكثر الابتكارات التقنية في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات وإنترنت الأشياء، أكبر شاهد على أن الاستثمار في الابتكارات النوعية سيقودنا نحو صناعة منافسة واقتصاد قائم على المعرفة وفق ما تبنته الاستراتيجية الوطنية للصناعة، التي من أهدافها تنويع القاعدة الصناعية والاقتصادية، وحماية الاقتصاد الوطني.
إن دور الهيئات التطويرية كالهيئة العامة للتطوير الدفاعي يكمن في وضع الخطط الاستراتيجية السليمة في ضوء ما نحتاج إليه اليوم من التطور التقني والتحول الرقمي، وأن تكون هنالك خطط واضحة للربط التكاملي بين القطاعات الصناعية من خلال مراكز الابتكار والأبحاث العلمية الوطنية، لتبني تقنيات الثورة الصناعية الرابعة لتكون لدينا ميزة خاصة وهي الابتكار النوعي، الذي يتحقق من خلاله - بإذن الله - التحول إلى اقتصاد مستدام ذي أسبقية قائمة على الابتكار النوعي المتطور المستمر.

إنشرها