Author

الفساد بترويض الرقابة الداخلية «1 من 2»

|
الفساد مشكلة اقتصادية واضحة، ذلك أنه يتسبب في أخطاء فادحة بشأن تخصيص الموارد وعدالة التوزيع. هذه الفكرة الأساس، فالفساد لا يتشكل في الاختلاس والسرقة والرشوة فقط. التفكير وفقا لهذه القاعدة يخرج أنواعا أخرى عديدة من الفساد، ومن ذلك التلاعب بالقوائم المالية والأرقام وتزييفها والتلاعب بالمؤشرات أو بآلية إعدادها واختيارها، فالفساد الذي تعرضت له الشركات العالمية الكبرى من أمثال شركة انرون وشركة أوليمبوس اليابانية لم يكن اختلاسا للأموال، ولم يكن هناك سرقة بالشكل المعروف أو رشوة بأي شكل، بل كان تلاعبا بالأرقام المحاسبية وقرارات خاطئة تم إخفاؤها بمهارة من أجل إخفاء الخسائر. ومع ذلك، فإننا نعد كل ذلك غشا صريحا، وفسادا لا غبار عليه، ذلك أنه تسبب في تضليل متخذ القرار بشأن تخصيص الأموال المتاحة له.
ولتوضيح الصورة بشكل جلي، فإننا جميعا يوميا نتخذ قرارات بشأن تخصيص الأموال والموارد التي بحوزتنا على منافع مختلفة، منها ما هو في المستقبل، وهي الأصول، ومنها ما تكون منافعه حالية، وهي المصروفات، ولكي نتخذ قرارا رشيدا بشأن تأجيل المنافع للمستقبل "أي نشتري الأصول بأنواعها ومن بينها الأسهم والسندات"، وبين الحصول عليها فورا كأن ندفع في مطعم فاخر أو في الترفيه، فإن مثل هذا القرار يعتمد على المعلومات التي تقدم لنا ودقتها، فإذا أكدت شركة ما في قوائمها المالية أنها تحقق أرباحا غير عادية، وأن مستقبل قطاعها واعد، وأن أمامها توسعات تاريخية، فإننا قد نقرر تأجيل الإنفاق على الترفيه اليوم، وندفع الأموال لتلك الشركة في أسهم وسندات لنستفيد منها في المستقبل، لكن ماذا لو كان هناك شركة أخرى تقدم معلومات أداء قوية ومنافسة، فإننا سنكون في حيرة حول أي القرارات مناسب لنا، الإنفاق الآن أو منحها للشركة الأولى أو الثانية، لكن ماذا لو كانت إحدى الشركتين تقدم معلومات مضللة وغير صحيحة، فإننا قد نمنحها الأموال وغيرها أولى بها، هذا هو الفساد الذي يتسبب في فشلنا في تخصيص أموالنا ومنحها لمن يعظم منافعنا، على الرغم من أن مثل هذه المعلومات لم تكن اختلاسا ولا رشوة، لكنها تسببت في وصول الأموال إلى من لا يستحقها أو غير قادر على إدارتها بشكل صحيح. تعريف الفساد بهذا الشكل يغير كثيرا من المفاهيم التي تتعلق بمكافحته، ومنها مفاهيم الرقابة الداخلية.
في قضية شركة أوليمبوس اليابانية مصنعة المناظير والكاميرات المشهورة، تم إخفاء خسائر بمبلغ 1.7 مليار دولار، نتجت عن استثمارات خاطئة في الثمانينيات من القرن الماضي وأسهم قيمتها سوقيا أقل من قيمتها الدفترية، وفي وقت كان يجب على الشركة الاعتراف بالخسائر كما تقرر المعايير المحاسبية ذلك، وبدلا من ذلك قامت بإيداع مبالغ في ثلاثة بنوك وطلبت من هذه البنوك أن يتم إقراض شركة "وسيطة"، وتم الاتفاق مع مديري البنوك الثلاثة على ألا يصرح البنك عن جوهر هذه العملية إذا سأله المراجع القانوني، بل يؤكد جودة الحسابات فقط.
وهكذا، استطاعت الشركة الوسيطة الحصول على القرض غير المباشر من شركة أوليمبوس ثم استخدمته لشراء الأصول السيئة لدى شركة أوليمبوس وبقيمتها الدفترية، وبذلك استطاعت أوليمبوس التخلص من تلك الأصول السيئة دون خسائر معلنة، لكن هذا الأسلوب تم عده تضليلا وفسادا كبيرا، وأحيل كل من تسبب في هذه القضية للتحقيقات والغرامات، وكانت الأسئلة تدور حول قوة وقدرة نظام الرقابة الداخلية، ومنهم المراجعون الداخليون، على منع مثل هذا الفساد. وتبين أمران أولهما، أن تطوير نظام رقابة داخلية فاعل لأي مؤسسة ليس بالأمر الهين ولا السهل، خاصة إذا تم تعريف الفساد بأنه يشمل تقديم معلومات مضللة وغير دقيقة، وبالتالي فشل عمليات تخصيص الأموال بطريقة صحيحة، فالنظام الرقابي الذي يصمم فقط من أجل منع الاختلاس وسوء استخدام الأموال والرشوة هو نظام رقابي قاصر غير كاف لمنع أضرار الفساد الكبيرة، كما أنه يسمح لكثير من المديرين التنفيذيين الفاشلين بالاستمرار في أعمالهم بسبب قدرتهم على التلاعب المستمر في الأرقام والبيانات ومؤشرات الأداء.
والمشكلة الأشد أنه إذا تركت الرقابة الداخلية للمديرين التنفيذيين من أجل تصميمها وتحديد أولوياتها، فإنها ستكون داعمة لهم، وللتلاعب الذي يخططون له، الذي لن يتم كشفه إلا بتغيير المديرين التنفيذيين، كما حصل مع شركة أوليمبوس، فالتلاعب الذي تم في أواخر ثمانينيات القرن الماضي لم يكتشف تماما إلا في بدايات القرن الجديد، وذلك عندما تغير الرئيس التنفيذي للشركة.
وتبين لكل الجهات الرقابية الدولية أن وضع معايير دولية لنظم الرقابة الداخلية تكون صارمة وواجبة التنفيذ، هو الحل، ولهذا فإن تحسن وضع الشركات في أي سوق مالية يعتمد على تبني قواعد ملزمة للرقابة الداخلية، ومع ذلك فإن القيم التي يقوم عليها الفكر في أي مؤسسة سيكون عاملا حاسما.
إنشرها