Author

التمويل المعتمد على السياسات

|
أداء الدول ذات الأنظمة الأكثر ليبرالية لم يقدم حتى اليوم أي ضمانات على قدرة تلك الأنظمة على تمويل الصناعات، وتسريع التنمية الاقتصادية للدول النامية سواء ذات دخل منخفض أو متوسط، لذا من الحكمة أن تقوم سياسات الدول التي تمتلك رؤية واضحة وتصمم أنظمتها المالية وفق متطلباتها، وإعادة هندسة أنظمتها المصرفية وشركات التمويل غير المصرفي ومؤسسات التمويل الحكومية وبنوك التمويل طويلة الأجل - إن وجدت - وفق غاياتها ومستهدفاتها الاقتصادية، وتوجيه التمويل نحو السياسات التي تدعم نمو الاقتصاد وقدرات المواطنين الإنتاجية. ولذا فإن دول آسيا شكلت نموذجا ماليا يمكن محاكاته، مثل اليابان، بعد الخروج من الحرب، وكوريا الجنوبية في طريقة تمويل اقتصادها، وكذلك الصين التي تحولت من بلد تابع إلى بلد مستقل، لكن من خلال نموذج مختلف قليلا، حيث تراكمت خبرات الدولة التصنيعية وتحولت إلى اقتصاد السوق على الأسلوب الصيني في نهاية السبعينيات، وليس على الطريقة الليبرالية الغربية التي تعتمد على الصدمة.
النظام المصرفي المعتمد على ودائع قطاع الأسرة ومدخراته يفضل من الناحية الإقراضية أن تكون قروضه قصيرة إلى متوسطة الأجل إلا أن تمويل العقارات بمعدلات تخطت 20 عاما يشكل نوعا من أنواع المخاطر المالية، ولا سيما أن التمويل مصدره الأساسي مدخرات القطاع العائلي، وبضمانات الرواتب العامة للدولة، التي بدورها هي قادمة من الميزانية العامة للدولة، وفي الوقت ذاته لا تشكل رواتب القطاع الخاص وزنا يمكن الاعتماد عليه في الودائع وتحويلها إلى قروض آمنة بسبب كثافة العمالة الأجنبية مقابل كل مواطن، لأنها تصدر معظم تلك الأموال إلى الخارج.
في ظل تركيبة اقتصادنا الخاصة التي تشكلت عمليا وبشكل منظم عام 1970 كأول خطة خمسية للبلاد، ثم حقبة 2030 التي تعتمد على ترقية قدرات البلاد للنمو الاقتصادي الذاتي عبر المشاركة الفردية للمواطنين، وزيادة ثرواتهم من خلال الأعمال الريادية أو التقليدية، وتنويع الاقتصاد، وتبذل الحكومة في ذلك جهودا تنظيمية ضخمة لتحديد السياسات الإصلاحية الهيكلية للبلاد، ليس في إطار اقتصادي منفرد، بل اجتماعي وتشريعي وتنظيمي تكاملي وشمولي.
ولا تزال الحكومة تواصل تمويل الاقتصاد من خلال سيطرتها على النفط والاستثمارات السيادية من أجل توفير الأموال، وتقديم الدعم المالي للمجموعات الاقتصادية الأخرى، والدخول في صناعات ثقيلة وضخمة لا يقدر عليها القطاع الخاص.
أعتقد أننا بحاجة حاليا إلى ربط النظام المالي التمويلي للبنوك التجارية بالسياسات الاقتصادية ليكون نظاما موازيا لأعمال الحكومة الاقتصادية، وتخفيف اعتماده على قروض الأفراد كمصدر أساسي في الربح، والاتجاه نحو تمويل الصناعة والتجارة والخدمات بشكل تدريجي بطريقة تخدم السياسات الاقتصادية، ولا سيما فيما يخص زيادة معدل متوسط دخل الأفراد ومعدل الأثرياء الأفراد في التجارة والصناعة والخدمات، وتخفيف عدد الأثرياء القادمين من القطاع العقاري على حساب القطاعات الأخرى، ولا سيما أنه قطاع لا يخدمنا في عمليات التوظيف وتخفيف البطالة.
إنشرها