سوق الأسهم .. وإدارة المخاطر

|
لم أعد أكتب عن السوق السعودية للأسهم منذ فترة ليست بالقصيرة، وذلك بسبب فقداني الحماس نحو ذلك، فما الذي يمكنك قوله أكثر مما قيل ومما كتب منذ الانهيار عام 2006؟ لكن هذا المقال محاولة جديدة لقراءة مختلفة لقرارات المستثمرين في السوق من خلال فكر المخاطر، فالسؤال الأهم الذي لم أجد له إجابة واضحة حتى الآن، هو لماذا تقفز أسعار الشركات الخاسرة التي عليها تحفظات خطيرة من المراجع الخارجي، وشك جوهري في القدرة على الاستمرار، بينما تتحرك أسهم الشركات ذات العوائد بصورة محدودة ضمن نطاقات سعرية واضحة؟ وكي يكون السؤل أكثر وضوحا، فإنني أعتقد أن هناك عوامل للثقة بالشركات الخاسرة، لم نعرفها بعد، هي التي تمنح المستثمرين تلك الرغبة في المخاطرة، فما تلك العوامل؟ وهي عوامل ليست لها علاقة بالبيانات المحاسبية ولا بنظرية كفاءة السوق التي نعلمها للطلاب في الجامعة، بل هي عوامل لها علاقة بطبيعة المستثمر السعودي وشكل السوق وقواعدها الحالية.
كي نفهم هذا السلوك، يجب علينا أن نضع مسلمات أساسية في النقاش، وهي أن المستثمر السعودي في السوق مستثمر رشيد، فهو لا يخاطر دون سبب واضح، وهو يدرك وجود مخاطر للاستثمار في شركات خاسرة، ويتوقع عوائد تتناسب مع حجم تلك المخاطر، ونتيجة هذا، فإن قراره بالشراء في أسهم الشركات الخاسرة محاسبيا، لديه ما يبرره عمليا، ويمكنننا فهم ذلك وتوقعه.
هنا أعتقد، وكما أشرت سابقا، أن استخدام نظريات مثل كفاءة السوق والمعلومات المالية أو حتى نظريات من مثل الاتجار بالمعلومات الداخلية، كلها لا تقدم تفسيرات حقيقية، بل إن مفاهيم ونظريات إدارة المخاطر قد تفسر بعضا من هذا السلوك، فالمشتري للأسهم يضع توقعاته بشأن المخاطر ويرسم استراتيجياته في مقابلها. فمثلا، مخاطر عدم القدرة على الخروج من السهم يواجهها من خلال عدة استراتيجيات، أولها تحديد احتمالات تعليق السهم، فإذا كانت احتمالات تعليق السهم من قبل الهيئة قليلة، فإن احتمالات عدم القدرة على الخروج من السهم تكون قليلة أيضا. ولهذا، فهو أيضا يقوم بحساب احتمالات هبوط سعر السهم بسرعة كبيرة وبشكل حاد مع عدم القدرة على الخروج تماما، كما حدث في انهيار عام 2006، وهذه لن تحدث إلا مع حدوث انهيار شامل في السوق كلها، وطالما أن السوق عند مستوياتها الحالية، فإن القلق من مثل هذا الانهيار يكون شبه معدوم.
مع هذه الاحتمالات، فإن الرغبة في المغامرة في السهم ترتفع. وفي مقابل مخاطر من مثل حدوث خسائر بسبب تراجع السعر، فهو يواجهها بعدم الاستثمار بمبالغ كبيرة في سهم واحد، كما أيضا عدم البقاء في السهم أكثر من يوم، وكذلك أسلوب إيقاف الخسارة الذي طوره كثيرا منذ انهيار عام 2006. لكن ما الذي يفسر الطلب على سهم معين؟ هنا بالذات يعتمد أغلب من قابلتهم، والذين يغامرون في شركات خاسرة، ويجزمون أن لكل سهم مضاربا رئيسا وصانعا لحركة السهم، وأنه قادر على منع السهم من التراجع الحاد. في هذه المسألة بالذات، فإن فلسفة الاستثمار في الأسهم ستختلف تماما من حيث النظرة إلى المضارب الرئيس هذا كضامن للربح الرأسمالي حتى لو كانت الشركة خاسرة محاسبيا، فالتراجع في أرباح الشركة أو تركم خسائرها يتم التعويض عنه من خلال قيمة السهم في السوق، وبهذا فإن العوائد التي يمكن الحصول عليها من التدفقات النقدية من شركات قوية، تساوي في الأغلب قيمة الزيادة الرأسمالية في الشركات الخاسرة، فالاستثمار في السوق المالية في قيمة السهم وليس في الشركة فعليا. وهنا، فإن المخاطر التي يقرأها المساهم لا ترتبط بأداء الشركة، ولهذا أيضا لا يهتم المضارب بالأرباح ولا برأي مراجع الحسابات ولا مؤشرات الأداء، بل بشكل الاتفاق الضمني بين المضاربين وصناع السهم "كما يعتقد" للمحافظة على السعر أو زيادته. فطالما هناك مثل هذا الاعتقاد أن لكل مساهم مضاربا رئيسا ومهندسا لاتجاهات السهم، فإن المضاربات على الأسهم الخسارة ستبقى في السوق، وهي منطقية تماما.
لقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الأسواق ليست حتمية السلوك وفق قواعد العرض والطلب، إنما هي عبارة عن مجموعة من الاستراتيجيات بناء على قواعد يمكن تغييرها. لهذا، فإن تغيير قواعد السوق يغير تماما من نتائجها ومن سلوك المشترين فيها. فالحل - كما أراه - يكمن في كشف حقيقة هذه الافتراضات للناس، ويحدث ذلك إذا تم تطوير نموذج جديد لتحديد عدد المحافظ التي تتداول في السهم كأحد أهم المعلومات التي يمكن إضافتها، فهذا سيثبت أن المضاربات في أسهم الشركات الخاسرة ليس لها صانع ولا مضارب رئيس، بل هو تكتل من محافظ كثيرة العدد تسعى إلى تحقيق ربح رأسمالي قصير المدى، معتمدة على عدد المحافظ التي تتنافس على السهم. إن هذا سيغير شكل المعادلة تماما، وسيغير فرضية المضارب الرئيس، "يؤكدها أو ينفيها".
كما لا بد من تفعيل قرارات أكثر صرامة مع الشركات التي لا تحقق أرباحا ولا تقدما في توزيع الأرباح، أو تلك التي لديها ضعف واضح في الحوكمة أو تطبق حوكمة ورقية. قرارات من مثل إيقاف إدراج السهم في السوق الرئيسة ونقله إلى سوق ثانوية أخرى، ويمكن إنشاء شركة جديدة للتداول في تلك السوق. هذا النوع من القرارات سيصحح أهم سلوك في السوق، وهو ما نسميه التعويض بالربح الرأسمالي.
إنشرها