لجنة المراجعة وظاهرة الاحتيال المالي

|
خلال شهر واحد فقط، أعلنت شركتان مساهمتان اكتشاف حالات تلاعب واحتيال مالي مباشر، فقد أعلنت شركة الغاز والتصنيع الأهلية اكتشاف شبهة اختلاس من قبل مسؤول في قطاع الشؤون المالية، تمثلت في صرف مبالغ مالية دون مسوغات نظامية لجهات لا تربطها علاقة تعاقدية مع الشركة، وهذا الأمر استمر من عام 2017 حتى الربع الأول من عام 2020، وبلغت المبالغ المشتبه في اختلاسها 34.2 مليون ريال. وقبل أيام فقط، أعلنت الشركة السعودية لصناعة الورق أنه تم اكتشاف شبهة تلاعب في القيود المحاسبية للشركة خلال عام 2017 من قبل إدارة الشركة وإدارة الشؤون المالية، بإنشاء قيود محاسبية وهمية لإلغاء ذمم مدينة سابقة، وأن المبالغ المشتبه في التفريط بها بلغت نحو 25.55 مليون ريال. ومن الواضح، أن هذه الحالات يمكن اكتشافها بسهولة جدا، وإجراءات الرقابة الداخلية المعتادة وأعمال المراجع الداخلي وكذلك الخارجي، يمكنها - ببساطة - اكتشاف هذه الحالات. ومع ذلك، فإنها استمرت مدة تجاوزت ثلاث فترات مالية متتالية ولم تكتشف، فلماذا؟
منذ الانهيارات الكبرى التي سبقت أزمة الكساد العالمي، وقادت إلى قانون عام 1933 في الولايات المتحدة، والعالم في سباق وتحد مع مسألة الغش والاحتيال المالي للشركات، وكان المسار طويلا جدا، والصراع فائقا، بين من يطالب بتوسيع المسؤوليات، ومن يحارب ضد ذلك. رحلة بدأت بإقرار إلزامية مراجعة القوائم المالية من قبل خبير مستقل بعد أن كانت اختيارية، ثم تم تطوير أنظمة الرقابة الداخلية، ثم معايير الرقابة الداخلية، مع إنشاء لجنة COSO، ثم مطالبات بإنشاء لجان للمراجعة الداخلية، ثم مسؤولية المراجع الصريحة عن اكتشاف الغش والاحتيال الجوهري، ثم ظهور لجنة كادبوري عام 1995 لتطوير قواعد الحوكمة، ثم ما تلاها من قواعد ولجان حتى قانون أوكسلي عام 2001. رحلة علمية عملية شاقة جدا، ومع ذلك، فإن الاحتيال والغش لم يزل حاضرا بشكل مقلق. والسبب هو عنصران أساسيان، الأول: اعتبار الحوكمة مجرد نص قانوني مع غلبة أهل القانون في تفسيرها وتجاهل الهدف الرقابي والاقتصادي من كل قاعدة. الثاني - وهو تابع للسبب الأول: عدم احترام مهنة المراجعة الداخلية، وعدم احترام لجنة المراجعة لميثاق المراجعة، بل لعل لجنة المراجعة نفسها لم تقرأ هذا الميثاق أو تهتم به، وهنا أتحدث عموما وليس عن الشركات التي أعلنت عن اكتشاف الاحتيال، فالحديث هنا في سياق عام، وهنا لا فرق بين هيئات حكومية وشركات خاصة، فالبعض يعتقد أن الحوكمة مجرد "موضة" أو نص قانوني مثلها كأي لائحة، لكنه يتجاهل عمدا أو جهلا منه تلك الروح الاقتصادية والرقابية في الحوكمة.
لقد لاحظت خلال أبحاثي مرارا أن تغيير لجنة المراجعة يؤدي دائما إلى تغيير المراجع الخارجي، ومن يلاحظ الشركات التي تكتشف الغش كانت قد سبق لها تغيير لجنة المراجعة، ولجنة المراجعة قامت بتغيير المراجع الخارجي. هنا أقول، إن أهم عنصر في كل قواعد وتطبيقات الحوكمة هو الإنسان نفسه، فمن السهل الوصول إلى لجنة مراجعة، لكن من الصعب أن يقف أعضاء اللجنة أمام الرئيس التنفيذي أو معالي المحافظ ويصروا على نتائج أعمالهم وأعمال المراجع الداخلي ومن ذلك حمايته من التعسف عليه لمجرد أنه يؤدي عملا مهنيا بحتا. إذن، هو الإنسان وليست القواعد نفسها، فمن يراجع حالة شركة موبايلي - مثلا - يجد الجهد الضخم الذي قام به الأعضاء المستقلون في دعم وحماية المراجع الداخلي، بينما في هيئات وشركات أخرى كانت لجنة المراجعة هي العدو الأول للمراجع الداخلي لأنها تخشى غضب المدير والرئيس التنفيذي الأقوى شخصية منها، وضع بعد ذلك ما تشاء من نصوص الحوكمة وقواعدها، اكتب فيها كتبا وسلم ملفات وارسم من نماذج الإنفوجرافيكس، فلن يتحقق من أهدفها شيء.
لتدرك حجم المشكلة وأن الحوكمة ليست مجرد نص قانوني في لائحة، فإن المادة الـ16 من لائحة حوكمة الشركات توضح تكوين مجلس الإدارة وتضع شرطا أن تكون الأغلبية من الأعضاء غير التنفيذيين، على ألا يقل عدد الأعضاء المستقلين عن ثلث المجلس، ثم وضعت اللائحة شروطا صارمة للعضو المستقل، وتساهلت في موضوع الأعضاء غير التنفيذيين. والآن، ما فائدة هذه الشروط على المستقلين إذا كان عددهم لا يكفي لمنع قرار، وإذا كان ثلث المجلس مستقلين والأغلبية لغير التنفيذيين، فإنك تسأل بصدق عن معنى الاستقلال وضرورته، لكن المادة الـ31 من لائحة الحوكمة، وضعت أهدافا واضحة للعضو المستقل، ومن يقرأ هذه الأهداف، فإنها تعود في مجملها إلى قوة شخصية العضو، وصدق روح الحوكمة فيه. كما أن المادة الـ41 أفصحت عن ضرورة إجراء تقييم لمجلس الإدارة ورئيس المجلس، وهنا أيضا تجد التطبيق يعتمد على قوة شخصية الأعضاء غير التنفيذيين وروح الحوكمة فيهم. وإذا راجعت آليات تعيين وتشكيل اللجان، فإنها تخضع لاعتبارات شخصية بحتة، بمعنى أن الاختيار قد يكون - وهو في الأغلب - متحيز تماما، وهذا يجعل أهم عناصر الحوكمة وخط دفعها الأول غير متوافر ولا توجد ضمانات له سوى لروح الحوكمة نفسها، فإذا غابت تلك الروح فلا تعجب إذا وجدت الرئيس التنفيذي ممثلا لجهة أخرى وهو ضمن أعضاء المجلس، وتجد رئيس لجنة المراجعة تبنى شخصية الرئيس التنفيذي في مخاطبة المراجع الداخلي، بل يتحدث بصوته مدافعا عنه. إذن، فالحوكمة ليست مجرد نص، بل روحا تسري في المنظمة والشركات، ولهذا يصر كل من يواجه قضايا الحوكمة على النزاهة كروح، روح حقيقية وليست لوحة إرشادية، وتحمي المراجع الداخلي من تسلط الرئيس التنفيذي عليه، أو التعسف في إقصائه أو التهديد بفصله، أو فصله فعلا، وتحمي الحقيقة والثقة والبيانات، وتمنع أي شخص من تعطيل نظام الرقابة الداخلية لأعوام وبشكل متعمد، وتمنح عضو لجنة المراجعة الاستقلال الحقيقي وليس الخوف من توقف المكافأة.
إنشرها