جامعتي الحزينة

|
مع بدء الدوام الدراسي للعام الحالي هناك مسحة من الحزن والقنوط تخيم على جامعتي السويدية بعد عقدين ونيف من البحث والتدريس في رحابها لم أرها شاحبة الوجه كئيبة صامتة مثل ما هي عليه الآن. كل عام في مثل هذه الأيام كانت الجامعة تزدان باللافتات والخيوط المزركشة والبالونات والموسيقى الصاخبة تصدح من كل زاوية فيها. وكان آلاف الطلبة الجدد يسرحون ويمرحون في أزياء بهية تشير إلى الكلية التي تم قبولهم فيها.
والسويديون شعب له ولع كبير بالموسيقى والرقص، وتشكل تجارة الغناء والموسيقى وما يتبعها من ثورة خوارزمية في إنشاء شركات رقمية تعمل منصات لها بندا مهما في ميزانية البلد.
ولم يكن الاحتفاء البهيج بالطلبة الجدد مقتصرا على جامعتنا. الاحتفال كان يعم 45 جامعة في السويد، ويستمر أسبوعا واحدا، ويطل بجناحيه على المدن التي توجد فيها هذه الجامعات.
هذا الأسبوع كان أسبوع الأسابيع في جامعتنا في كل الأعوام التي أمضيتها فيها، حيث كانت عشرات الفرق من الطلبة الجدد، كل فرقة من نحو 20 طالبا تنتشر خارج الحرم الجامعي وتجوب شوارع المدينة حاملين الأعلام، وصراخهم وتصفيقهم يصل إلى عنان السماء.
المدينة التي أعيش فيها تغرق عادة في نوم عميق بعد الخامسة مساء، إلا أنها في مثل هذا الأسبوع من كل عام كانت فرق الطلبة لا تنام، بل هي في حركة رقص وتهليل وغناء يصل الليل بالنهار.
وكان الطلبة يمرحون على شواطئ البحيرات الثلاث التي تزدان بها المدينة التي يقطنها نحو 100 ألف نسمة وفي الحدائق العامة وعلى التراب، وسرعان ما كان التراب والرمل يغطي أزياءهم المزركشة الجميلة. ومن التقاليد الحميدة أنه كان يحق لكل طالب الإمساك بقلم والشروع في كتابة جمل أو عبارات على زي الطالب الآخر، وكانت بعد يوم أو يومين من بدء الاحتفال تتحول ملابسهم إلى ما يشبه سبورة قد تم نقشها بالطباشير ذي الألوان الزاهية.
ومن المناظر التي كانت تستهويني وأقف مشدوها لها منظر كبار السن، ولا سيما الذين تجاوزوا الـ 80 عاما "نحو 6 في المائة من السكان" وهم يراقبون المحتفلين وفي عيونهم حسرة وفرحة: حسرة على العمر الذي مضى ولن يعود والأيام الخوالي وهم قد وهن العظم منهم، وفرحة وهم يرون الجيل الجديد يشق طريقه في بلد الرخاء والمساواة. لقد كان حقا أسبوعا كنت شخصيا أنتظره بفارغ الصبر كل عام، حيث كنت أقف محدقا في الوجوه الناظرة اليافعة والعيون الزرقاء الفاحصة والسعادة والانتشاء ينيران الأروقة والباحات الواسعة المغطاة ضمن الأبنية الجامعية الضخمة.
كل هذا تقريبا صار في خبر كان هذا العام الذي اختفى فيه كل مظاهر الاحتفاء بالعام الجديد في الجامعة. إنه عام الكوفيد الفيروس غير المرئي متناهي الصغر المخيف الذي قلب حياتنا رأسا على عقب.
بدلا من الوجوه الباسمة للطلبة الجدد تستقبلك المعقمات في مداخل البنايات والقاعات. والشاشات الكبيرة في أروقة الجامعة التي كانت ترشد الطلبة إلى جداول المحاضرات تبث التعليمات الخاصة بكيفية التعامل مع الظروف العصيبة والصعبة والمريرة التي نمر بها. والحيطان وأبواب القاعات والمرافق الصحية عليها ملصقات تشير إلى مدى التباعد بين الطلبة، والقاعات الدراسية جرى تصفيف المقاعد فيها بطريقة لا تسمح إلا لعدد محدود من الطلبة بالوجود في آن واحد.
وبين الفينة والأخرى، ترد إلى سلة البريد الإلكتروني لكل منتسب في الجامعة آخر المستجدات، والكل ينتظر كأن الطير على رأسه. وأي قرار أو موقف أو موعد تتخذه الجامعة تتبعها عبارة شرطية، إذا لم يستجد أمر ما على ساحة كوفيد - 19. الوضع في السويد حاليا بقدر تعلق الأمر بمكافحة الجائحة جيد جدا، حيث هناك حاليا 31 حالة حرجة فقط في حاجة إلى عناية مركزة في كل المستشفيات في البلد بعد أن قد وصل إلى نحو 600.
بيد أن الطاقم الذي يدير دفة الأزمة الناتجة عن الجائحة يرسل إشارات قوية ومحددة إلى كل المؤسسات خصوصا التعليمية منها، يحثها على عدم الركون والتقاعس في تطبيق التعليمات، لأنها الوسيلة الوحيدة المتاحة حاليا لمنع تفشي الفيروس القاتل. والسويديون مشهود لهم بتنفيذ التعليمات والقوانين طواعية طالما لا تحد من حريتهم الشخصية.
وتماشى الطلبة الجدد هذا العام مع الوضع الاستثنائي الذي يمر به بلدهم والعالم برمته، وحرموا أنفسهم من أغلى ما يملكه ويحتفظ به أقرانهم ذكرى لأهم مرحلة في حياتهم، ألا وهو ارتداء زي الالتحاق بالجامعة والاحتفاء والمشاركة في المراسيم والنشاطات التي ترافق وضع أقدامهم على عتبة التعليم العالي.
إنشرها