الإداري بين متطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل

|

ليست الإدارة مجالا تخصصيا منفردا كعلوم الفيزياء والكيمياء والطب وغيرها، أو كقطاعات الصناعة والزراعة والخدمات المختلفة، بل إنها مجال عام يحتاج إليه جميع المجالات والتخصصات في تنظيم أعمالها وتعزيز أدائها وتحقيق أهدافها. وللإدارة ثلاثة محاور رئيسة متكاملة تحت مظلتها، تحتاج إليها المؤسسات العاملة في مختلف المجالات والتخصصات. ولكل محور من هذه المحاور تفرعات تشمل مهمات، وتحدد معطيات خاصة بها. يرتبط المحور الأول بالوظائف التي يفترض أن تقوم الإدارة بالعمل على تنفيذها ويتعلق المحور الثاني بالموارد التي يجري استخدامها من أجل العمل المطلوب ويهتم المحور الثالث بمستوى الأداء الذي يتم العمل فيه.
هناك في محور الوظائف خمس وظائف رئيسة للإدارة هي: التخطيط والتنظيم والتوجيه وتوزيع الأعمال والتحكم. ثم هناك، في محور الموارد أربعة موارد رئيسة تستخدم في تنفيذ الوظائف وهي: الموارد البشرية والمالية والتقنية إضافة إلى الطبيعية. وهناك في محور الأداء ثلاثة معايير أساسية للأداء: هي الفاعلية في تنفيذ الوظائف والكفاءة في تحقيق الفاعلية المطلوبة والرشاقة في اتخاذ القرارات في الوقت المناسب. ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى أن الإدارة في المؤسسات الكبيرة تشمل ثلاثة مستويات متكاملة هي: الإدارة العليا على مستوى المؤسسة الكبيرة والإدارة المتوسطة على مستوى أجنحتها ثم الإدارة الدنيا على مستوى الأقسام المرتبطة بهذه الأجنحة. وقد يكون عدد المستويات للمؤسسات الكبرى أكثر من ذلك.
نحن في هذا المقال أمام المسؤول الإداري الذي يقود تنفيذ الوظائف الإدارية الرئيسة لمؤسسته باستخدام الموارد المتاحة. في وظيفة التخطيط، تبرز أمامه الرؤية والأهداف التي تنشدها مؤسسته وكذلك المسيرة المطلوب اتباعها للوصول إلى هذه الأهداف. وتطل في وظيفة التنظيم إجراءات العمل والعلاقات العمالية التي تؤدي إلى تكامل عمل الجميع في الإطار المطلوب. وفي وظيفة التوجيه تظهر أمامه مسألة تفعيل العمل تبعا لمسيرة التخطيط وتحقيق الأهداف. وتتبدى في وظيفة توزيع الأعمال بعد ذلك مسألة اختيار الشخص المناسب للعمل المناسب وتشكيل فرق العمل المتجانسة القادرة على الإنجاز. وتهل في وظيفة التحكم أخيرا قضية التقييم وقياس الأداء، وإبراز مكامن القوة ومواطن الضعف في العمل، وإعادة النظر في خط سير العمل لضبطه باتجاه المسيرة المطلوبة نحو تحقيق أهداف التخطيط المنشودة وتبرز في وظيفة التحكم مسألة الاستجابة للمتغيرات، وتحفيز إعادة التخطيط أو تعديله لتحقيق الاستجابة المناسبة.
يلاحظ في الوظائف الإدارية، سابقة الذكر أن لها جانبين رئيسين. يتضمن الجانب الأول تنفيذ النشاطات المطلوبة لتأمين سير عمل المؤسسة وفقا للوضع الراهن والخطط القائمة. أما الجانب الثاني فيسعى إلى تطوير الوضع الراهن بما يشمل إعادة التخطيط دوريا للاستجابة للمتغيرات، إضافة إلى البحث عن أفكار متميزة يمكن أن تدفع المؤسسة إلى موقع رائد في مجال عملها من جهة أخرى. يحقق الجانب الأول استمرارية عمل المؤسسة بالطريقة المعتادة ويؤدي الجانب الثاني إلى تطوير العمل نحو الأفضل، وتعزيز الموقع التنافسي للمؤسسة، وهذا بالطبع ما تحتاج إليه المؤسسات الطموحة في هذا العصر، خصوصا أمام تحدي التسارع المعرفي الذي يواجه الجميع.
ولعلنا، بناء على ما سبق، نطلق على الجانب الأول لقب جانب الحاضر، ونطلق على الجانب الثاني لقب جانب المستقبل. ولا شك أن على الإداري المسؤول أن يهتم بالجانبين معا. كلاهما مهم، ولا يغني الاهتمام بالحاضر عن النظر إلى المستقبل. فعلى المؤسسة أن تهتم بالحاضر عبر أداء عملها المعتاد على أفضل وجه ممكن وعليها أيضا أن تهتم بالمستقبل عبر مواكبة المتغيرات والمستجدات والاستجابة لها، والتخطيط الدوري للمستقبل، وتعزيز الإبداع والابتكار وتفعيل الريادة في السعي إلى تقديم معطيات غير مسبوقة. لكن هناك مشكلة في العمل على تحقيق ذلك، سنحاول طرحها وتقديم بعض المرئيات بشأنها في التالي.
تتمثل المشكلة في التنافس على الوقت المتاح للإداري المسؤول بين متطلبات جانب الحاضر ومتطلبات جانب المستقبل. إذا نظرنا إلى متطلبات الحاضر نجد أنها تتسم بأربع صفات رئيسة. تتلخص الصفة الأولى في أن هذه المتطلبات أساسية، بل هي عمود وجود المؤسسة المعنية. أما الصفة الثانية فترتبط بحقيقة أن أعمال متطلبات الحاضر واضحة ومعتادة، بل روتينية يتم تنفيذها دون عناء. وتأتي الصفة الثالثة بعد ذلك لترى أن أغلب موارد المؤسسات مخصصة بشكل رئيس لمتطلبات الحاضر، وربما قليل منها لمتطلبات المستقبل. ثم تبرز الصفة الرابعة لتلاحظ أن أعمال الحاضر ملحة ولا تحتمل التأجيل، وتستغرق معظم الوقت المتاح للإداري المسؤول، أو على الأقل جزءا كبيرا منه. وعلى ذلك لا يبقى لجانب المستقبل إلا الجزء اليسير من وقت الإداري.
يبرز هنا التساؤل عما يجب عمله في هذا الشأن. وقبل محاولة الإجابة عن هذا التساؤل لا بد من ملاحظة أن دور الإداري المسؤول هو إدارة الأعمال المرتبطة بمتطلبات كل من جانبي الحاضر والمستقبل واتخاذ القرارات اللازمة المرتبطة بهما على أساس المعلومات المتاحة حول كل منهما. وإذا كان جانب الحاضر يحظى بمعظم موارد المؤسسة، فإن المعلومات بشأنه تكون معروفة، يسهل على أساسها اتخاذ القرار. فإذا أردنا أن يكون الأمر كذلك في جانب المستقبل، فلا بد من توفير ما يلزم من موارد لهذا الجانب.
تختلف بالطبع متطلبات المستقبل عن متطلبات الحاضر سابقة الذكر، لكنها تتكامل معها. نرى في متطلبات المستقبل فكرا يستوعب الحاضر، ويقيمه أيضا ويستشرف المستقبل، ويرصد متغيراته، ويحدد الطموحات، ويرسم الطريق إلى تحقيقها. صحيح أن الموارد المادية المباشرة المتاحة للتخطيط للمستقبل محدودة عادة، لكن متطلبات الإنفاق على مسيرة المستقبل قد تكون كبيرة، والقرار فيها قرار استثماري يرتبط نجاحه بفاعلية فكر التقييم والتخطيط لتحقيق الطموحات، وبكفاءته أيضا، وبحسن استجابته للمتغيرات. وعلى ذلك لا بد لكل مؤسسة من وحدة للتفكير والتخطيط والاهتمام بشؤون المستقبل تقدم للإداري المسؤول عن المؤسسة المعلومات والأفكار والخطط الاستباقية اللازمة لاتخاذ قرارات المستقبل الواعدة بالخير لمؤسسته ولتقدمها المنشود.

إنشرها