عام الانكشاف والخسائر الكبرى

|

بعد أن حصد فيروس كورونا الأرواح البشرية بمئات الألوف على مستوى دول العالم، طبيعي أن تمتد الخسائر إلى القطاع الاقتصادي الذي يمثل عصب الحياة اليومية. فحجم الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها دول العالم، أصبح فوق التوقعات بسبب تفاقم انتشار الفيروس الذي أصبح أخطر عدو للبشرية جمعاء خلال الفترة الراهنة. حيث طرح عديد من الدول محفزات اقتصادية لمحاولة إنقاذ اقتصادها وتخفف القيود لعودة العمل والإنتاج من جديد. وتوقع الخبراء أن خسائر دول العالم بسبب فيروس كورنا بلغت نحو تسعة تريليونات دولار.

وحقيقة، كلما اقتربنا رويدا رويدا من نهاية العام المالي، تبدت بوجهها الشاحب تلك الآثار الاقتصادية الفادحة لجائحة كوفيد - 19، ورغم الجهود الكبرى والتدابير كلها التي أخذ بها من قبل مجموعة الدول العشرين من أجل تفادي هذه الآثار السيئة، إلا أن الخسائر تبدو أكبر من القدرة على تفاديها، ومع نهاية الربع الثاني من عام 2020، بدأت القوائم المالية للشركات العالمية تظهر أسوأ ما فيها.

وكما هي الحال دائما في الكوارث الاقتصادية، فإن الضغوط الهائلة على قائمة الأرباح والخسائر لا تأتي فرادى، فمع انخفاض الإيرادات بشكل دراماتيكي، نظرا إلى الجائحة، وهو ما يكفي لإعلان خسائر كبيرة، إلا أن الوضع الاقتصادي السيئ لكثير من المؤسسات والشركات حول العالم يفاقم الخسائر بسبب احتمالات الإفلاس التي بدأت بالانتشار، وهذا يتطلب من كبرى البنوك العالمية زيادة مخصصاتها لتغطية مخاطر الديون الهالكة، وهو ما يعني خسائر أكبر في قائمة الدخل.

ومع انتشار الأخبار السيئة بشأن خسائر الشركات والبنوك الكبرى، فحتى أولئك الذين بذلوا جهدا كبيرا في تلافي الخسارة، سيكونون حتما محاطين بالخاسرين، وهو ما يعني تحملهم مخصصات كبيرة تقودهم إلى إعلان الخسائر أيضا، فقد سجل مصرف بانكو سنتاندير ثاني أكبر بنك من حيث القيمة السوقية في منطقة اليورو، ارتفاعا في مخصصاته للقروض الهالكة بأكثر من 60 في المائة إلى سبعة مليارات يورو، ولتصل خسائره الصافية إلى مبلغ 11.13 مليار يورو. هذه الأرقام تشير إلى مشكلة عميقة جدا في حالة الذمم المدنية والمقترضين في حسابات البنك، فنسبة 60 في المائة من الديون تصنف بأنها هالكة، وهو رقم أكبر من قدرة أي مؤسسة اقتصادية على تحمله، ولهذا بدأ البنك في خفض عدد من فروعه حول أوروبا.

والمسألة هنا كما يقدمها تحليل نشرته "الاقتصادية" بالأمس، تتجاوز البنك الإسباني إلى المصارف الأوروبية الكبرى الأخرى كافة، فمصرف دويتشه بنك الألماني، يواجه مشكلة أن مخصصاته تعادل أربعة أضعاف، وتكبده خسائر تتجاوز 77 مليون يورو، كما وصلت رياح المخصصات العاتية إلى البنك البريطاني الشهير "باركليز" ليضع 1.6 مليار جنيه إضافي لمواجهة مخاطر التوقف عن السداد. وهنا، لا بد أن نذكر أن الخسائر لم تضرب مصارف أوروبا فقط، بل امتدت إلى مصارف عالمية مشهورة لها تأريخ في النظام المصرفي، تعرضت لأضرار مخيفة تصعب معالجتها في المدى القريب.

وهكذا، فإن عام 2020 يبدو عاما تاريخيا للخسائر الكبرى، ومن المتوقع أن تشتد الأزمة مع فقدان كثير من المدينين قدرتهم على السداد خلال الربعين المقبلين، فقد نشرت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني أن القروض الممنوحة للشركات الصغيرة والمتوسطة وللأسر دون ضمانات، ستكون الأصعب تحصيلا، وهذا سيقود الشركات الكبرى إلى مواجهة ضغوط تراجع إيرادات المستهلكين، وستزداد البطالة، ويعني تفشي مزيد من حرائق الإفلاس وانتشارها بشكل واسع، ما قد يصعب تجنبها، نظرا إلى أن الحكومات قد استنفدت وسائلها كلها في الإنقاذ الاقتصادي. ورغم أن تقرير "الاقتصادية" أشار إلى أن الخسائر التي سببها كوفيد - 19 تمثل أقل بنحو 40 في المائة من تلك التي سجلت خلال الأزمة المالية العالمية من 2008 إلى 2010، إلا أن التحدي يبقى قائما رغم هذا، ذلك أن المشكلات الأساسية للأزمة العالمية عام 2008، لم تظهر بشكل واضح وجلي إلى عام 2009، خاصة في الأشهر الثلاثة الأولى، التي بدأت الأرقام الحقيقية للقوائم المالي تظهر بشكل نهائي.

وإذا كان إعداد القوائم المالية الربعية يكتنفه بعض السماح بشأن التقديرات، فإن القوائم المالية السنوية في نهاية العام ستكون حاسمة بشأن قضايا عدة، أهمها القدرة على الاستمرار، والقيمة العادلة. هذه الأخيرة قد تنبئ بتراجع قيم عديد من الأصول، ومعها ستتآكل رؤوس الأموال سريعا أمام حجم الديون، ما يعني أن عديدا من الشركات ستطلب الحماية بإعلان الإفلاس، لكن هل سيكون عام 2021 عام الانكشاف الكامل لتأثيرات كوفيد - 19؟ هذا كله مرهون بتوقف تأثيراته، التي لم تزل قائمة، والاحتمالات مفتوحة طالما لم يجد العالم لقاحا أو علاجا له حتى اليوم.

إنشرها