قرار ترمب والقبول في الجامعات

|
انتشر في وسائل الإعلام ذلك القرار الذي أصدره ترمب لفروع الحكومة الفيدرالية بالتركيز على المهارات بدلا عن الشهادات الجامعية في اختيار الموظفين الفيدراليين، والتبرير الذي ظهر بهذا الشأن أن الحكومة تتجه نحو البحث عن الذين يتمتعون بالكفاءة والمعرفة ذات الصلة، بدلا من مجرد التوظيف بناء على الشهادة. وأجد أن الأمر يحتاج إلى بعض المناقشة. وسأحاول في هذا المقال أن أحيد قليلا عن الجوانب الفلسفية فيه، فالموضوع يتعلق ببنية العلم والمعرفة، لكن سأركز فقط على النواحي الإجرائية في هذا السياق.
من المدهش كيف تطورت الشهادات في العالم، ففي الماضي كان اعتراف المجتمع بقدرة شخص على العمل في صناعة أو حرفة أو تخصص معين يعتمد أساسا على التجربة المحضة، فالحكم على الجودة في العمل يأتي لاحقا، وليس سابقا، هذا الاعتراف بقدرة الشخص أو مهاراته بعد استخدام الخدمات له تكلفة على المجتمع، حيث يتطلب أن يقوم عدد كبير من الناس بتجربة المنتج أو الخدمة ثم إجماعهم على رأي بشأنه، وهذا الإجماع يأخذ وقتا وهو غير منظم في العادة. وتجنبا لهذا الأسلوب الخطير والتكلفة الباهظة، حصلت تطورات في مراحل معينة مع تطور مناهج التعليم، من حيث يقوم مجموعة من المختصين أو الشيوخ أو العلماء في تخصص بمنح من يدعي المعرفة في تخصصهم شهادة تثبت ذلك، وعلى المجتمع أن يقبل بهذه الشهادة لأنها توفر عليه تكلفة وتحميه من المخاطر.
لكن قبول المجتمع فئة معينة من الأشخاص وقبول قراراتهم بشأن منح شهادة، تطلب تطورات كثيرة، فلا بد أن تظهر هذه الفئة أنها تملك المعرفة والدراية، وتظهر صرامة في منح الشهادات وفقا لمنهج مقبول، ويكون لها قواعد عمل، ويكون الانضمام لهذه الفئة متاحا، وهذه الشروط فيما بعد هي التي كونت المجتمعات المهنية. كما ظهرت الاختبارات المهنية بمختلف أنواعها، ثم ظهرت تطورات لاحقة بشأن الترخيص المهني الذي تمسكت به الحكومات، وهو يمثل الاعتراف المجتمعي بالشهادات، بمعنى أنه لا يكفي أن تمارس عملا ما أو مهنة معنية ما لم تحصل على شهادة مهنية، وهذا الاعتراف من المجتمع يأتي من خلال الحكومة، فإذا اعترفت الحكومة بشهادة معنية، فإنها تمنح من يعمل في هذا التخصص ترخيصا بذلك، سواء من خلال التوظيف في العمل الحكومي أو من خلال أنظمة المهن الحرة.
إذن، هنا شرط واضح جدا في مسألة قبول وطلب الشهادات المهنية، وهو قبول المجتمع لها، وهذا يعني أن الشهادات مطلوبة، لكن عند مستوى الطلب المجتمعي، أي لا أساس لها عند الطلب المحدود أو طلب الأشخاص، سواء كان الشخصي طبيعيا أو اعتباريا. ففي الطلب الذي من هذا النوع، يصعب منع الأشخاص منه طالما يتحملون المخاطر. مثال ذلك، الطلب على منتجات الطب البديل أو الأعشاب، فمهما بذلت الحكومات من جهد لمنع ذلك، فإنه سيستمر طالما هناك بعض الأشخاص يقبل بمثل هذه المخاطر. القاعدة الثانية الأهم، هي أن ظهور المجتمع المهني كان يفرض وجود مصطلحات ومهارات أساسية بين أفراده، فظهرت المجتمعات العلمية المناظرة للمجتمعات المهنية وصدرت شهادات أكاديمية، حيث تضمن الحد الأساس من المهارات والمعرفة بالمصطلحات، وأصبح عدم وجود المجتمع العلمي "التخصصات العلمية"، أمرا قاطع الأهمية، ولا يكون الحصول على الاعتراف المجتمعي بالمهنة ما لم يتوافر لها غطاء أكاديمي.
هنا نعود إلى قرار ترمب بشأن المهارات قبل الشهادات، فهذا القرار فيما معاناه - وإذا كنت قد فهمته بشكل صحيح - يعني أن الحكومة الأمريكية قررت التخلي عن مرحلة الشهادة الأكاديمية لدخول مهنة معينة، وأنه يكفي وجود الاعتراف المهني فقط، وهذا يأخذنا إلى مسار جديد تماما في بناء المهن، خاصة مع توافر المعرفة خارج حدود الجامعات، وتوافر المهنيين الذين يقدمون المعرفة عبر وسائل التواصل، وهل سيكفي في المرحلة المقبلة اجتياز الاختبارات المهنية من أجل الحصول على الترخيص المهني أو الفوز بوظيفة بغض النظر تماما عن التأهيل الأكاديمي؟ هذا سيفتح فرصا هائلة للناس المبدعين، وستتجاوز البشرية معضلة القبول في الجامعات والتمويل للدراسة الجامعية، وستقفز البشرية قفزة هائلة بلا شك، وإنني أتمني أن نلم بمثل هذه الشجاعة في عديد من التخصصات ونتجاوز الشهادة الأكاديمية تماما، ويبقى أمام من يثبت نفسه في التخصص أن يتجاوز الاختبارات المهنية.
إنشرها