ضبط التوقيت بين «الركادة» والتحرك السريع

|
دائما ما نسمع بقصة الابتكار الرائع، الذي لم يلق رواجا، لأنه أتى مبكرا بعض الشيء، ومثال ذلك الحواسب الكفية، التي أتت في مرحلة مبكرة من عمر الإنترنت. أو الشركة التي أفلست وخرجت من السوق لأن تفاعلها كان متأخرا ومزدريا اللاعبين الجدد، ومثال ذلك شركة تأجير أشرطة الفيديو الشهيرة بلاك بستر مع "نتفليكس". إساءة التوقيت هنا تحدث كذلك داخل أروقة الشركات في كثير من القرارات التنظيمية، هناك من يرى الخلل ويتجاهله ظنا منه أنه مع الوقت سيصلح نفسه، أو أنه مجرد مشكلة جانبية دون عمق أو انتشار. وكذلك، هناك من يقوم بالعكس تماما، فيبدأ برحلة التغيير وكأنه يمشي على الجمر، قفزات مضطربة ينتقل بها من غرفة إلى غرفة ومن مدينة إلى مدينة، فيحصد بعض الإنجازات المعلقة ليجد نفسه يسقط سريعا بعد المجهود الخرافي خلف قائمة طويلة من الإصلاحات الإلحاقية وإعادة البناء وغير ذلك.
ضبط التوقيت ليس مسألة ثابتة ومتزنة على الدوام، فهو يتأثر بالخبرة والاستعداد والمعرفة المحدثة والقدرة على الاستشراف، خصوصا إن ارتبطت المسألة بظروف خارجية لا نتحكم فيها، مثل الابتكار واستجابة الأسواق له. زيادة هذه العوامل، تجعل ظروف المغامرة والريادة والتعامل مع المخاطر العالية نسبيا محيطة بنا من كل جانب. بينما على العكس تماما، تقل هذه العوامل كلما كانت المسألة التي ننظر إلى توقيتها داخلية، تنظيمية، تقوم على علاقات مدروسة ومثبتة بالتجربة، أي: تحديدا أكثر ارتباطا بالتطوير والتحسين التنظيمي، حينها يكون في العادة أكبر المخاطر التعامل مع العنصر البشري وكسبه مع التغيير وليس ضده، وقبل ذلك حسن التعامل مع الزمن.
يخسر كثير من الأعمال بسبب التحفظ عند اتخاذ القرارات الصعبة، رغم أن الدوافع منطقية، بل تظهر كأنها حكيمة جدا. من هذه الدوافع التي نراها في بيئة العمل، الخوف على السمعة، فكم من مدير فاسد تم اكتشاف فساده، لكن رب العمل يحافظ عليه ويتحفظ على توقيت قرار التخلص منه كي لا تفوح رائحته ويتضرر الجميع. وهناك من يتحمل الموظف غير المنتج وقتا طويلا بعد عجزه عن تحفيزه وإصلاحه خوفا من الإضرار بأسرته، وهذا هدف نبيل بلا شك، لكن المبالغة في استخدامه ظلم للعمل والموظفين والعملاء.
ضبط التوقيت لا ينحصر فقط في التفكير في المسألة أو النقاش حولها، ولا في اتخاذ قرار حاسم يخصها، بل يمتد إلى التطبيق ورؤية النتيجة على أرض الواقع. على سبيل المثال، قام كثير من الشركات بعقد جلسات استفهامية مبكرة يتداولون فيها ظاهرة الكوفيد وآثارها المحتملة في أعمالهم، وربما تمكنوا من الخروج بقرارات وتوجهات احترازية كبرى في وقت مناسب، لكن تطبيق هذه القرارات وخروجها إلى أرض الواقع كان متأخرا بعض الشيء. هنا نحن نتحدث عن ضبط التوقيت على أكثر من مرحلة أو درجة عند القيام بالأمر: التفكير به، مناقشته، التقرير حوله، تنفيذه، مراجعة أثره. لو حدثت كل هذه المراحل في توقيت سليم باستثناء آخر مرحلة أو مرحلتين، أصبحت المعالجة بلا قيمة.
وتماما كما يقول المثل الشعبي: "ينقص الملح ولا يزيد"، فالتقدم المبكر جدا عند المنافسة، الذي لا نربح منه، أفضل من التأخر، لأن فرصة التعويض متاحة، والتعلم الذي رافق تجربة الفشل تعلم لا يقدر بثمن. المفهوم نفسه نجده عند اكتشاف الأخطاء وتحسين الواقع التنظيمي داخل المؤسسة، فالتأخر في حل المشكلات يعني تراكمها وخروجها عن السيطرة، وكلما تعاملنا معها في الوقت المناسب، تمكنا من فهمها وفهم الظروف التي صنعتها ومن ثم معالجتها. بينما التعجل في الإصلاحات الكبرى على حساب البنيان المؤسسي السليم دائما ما يجعلنا في واقع ضخم وهش، قابل للسقوط في أي لحظة، وكلما زاد حجم هذا البنيان، قلت فرصتا التصحيح والتعويض. نخالف أحيانا من يستشهد بأقوال مثل، "القنص بالركادة والتسرع جهالة" أو "الطبخ على نار هادئة"، فانتهاز الفرص قد لا يحتمل الانتظار، رغم أن الهدوء والفهم والاستعداد مطلب مهم قبل أي خطوة كبيرة.
الشاهد، إن التوقيت المناسب هو، عملية موازنة بين ما نعرف وما لا نعرف، وينبغي التفريق بين ظروف القرار وطبيعته، وحجم وطبيعة العوامل التي نسيطر عليها، وتلك التي لا نسيطر عليها، ومن ضمن هذا التقدير المهم، فهم تأثير المنظور الزمني والتعامل معه بجدية وبذل الجهد في تقدير تأثيره في كل قرار نواجهه.
إنشرها