المعرفة فردوس العرب المفقود

|
فردوس العرب المفقود، عبارة تتردد على أسماعنا منذ كنا في المرحلة الابتدائية، في إشارة إلى الأندلس التي أضاعتها النزاعات، والاختلافات بين الحكام، حتى بلغ الأمر ببعضهم الاستعانة بالعدو الخارجي على العدو الأخ، ليخسر الجميع ما أسسه آباؤهم، وهذا ليس موضوع المقال اليوم، لكن بضياع الأندلس، ضاع معها كنز عظيم تمثل في المعارف التي أنتجتها العقول ودور المعرفة، والجامعات، حيث أحرق الصليبيون كتب المعرفة التي تتلمذ عليها طلاب البعثات الأوروبية الذين منهم بنات ملك بريطانيا، وغيرهن من طالبي المعرفة المزدهرة في ذلك الوقت، بفعل الأجواء الحيوية الباعثة للإبداع المنشطة للدافعية.
وأنا أقرأ في تاريخ العلوم، وفي غيرها من المصادر لفت انتباهي نسبة جل المخترعات والاكتشافات إلى علماء غربيين، مع إهمال واضح لذكر رواد المعرفة العرب والمسلمين، الذين تتلمذ على أيديهم الأوروبيون ما يثير التساؤل حول أسباب هذا الإهمال والحجب المتعمد. ومما قرأته أخيرا جهد مميز لعالم مسلم مقيم في ألمانيا مع فريق عمل ألماني، وعلماء عرب امتد على مدى 60 عاما، حيث يقوم الفريق بتحقيق وتتبع الكتب القديمة في جميع المعارف، في الرياضيات والميكانيكا، والكيمياء والفيزياء، والجغرافيا والفلك، وعلم البحار والزراعة، والطب وغيرها، وأثمر الجهد عن اكتشاف حقيقة تعمد الغرب تجاهل علماء العرب والمسلمين ومنجزاتهم المعرفية الرائدة، التي تأسست عليها النهضة التي شهدتها أوروبا.
ما توصل إليه فريق العمل بعد فحص 150 ألف كتاب، وبتتبع أصل الكتاب الأوروبي تبين أن أكثر من 35 ألف كتاب تعود إلى أصول عربية، وكل ما فعله الأوروبي المؤلف المزيف أنه ترجم الكتاب، ونسب الكتاب لنفسه تأليفا دون ذكر أو إشارة إلى المؤلف العربي، وهذا بلا شك سطو وسرقة معرفية خارجة عن الأخلاق والأمانة، الواجب التحلي بهما من قبل من ينتسب للعلم، وما أثبته جهد الفريق من انتماء الكتب للعلماء العرب والمسلمين لا يمثل إلا جزءا يسيرا من الثروة المعرفية، التي سلمت من الإحراق في زمن نهضة وازدهار الأندلس. ضياع التراث المعرفي للعرب لم يقتصر على ما حدث في الأندلس، بل إن بغداد سقطت بعد سقوط الأندلس بـ20 عاما على يد التتار الذين لم يكتفوا بتدمير المباني، وإنما امتد البطش والهمجية إلى المكتبات، وأهمها مكتبة الحكمة، حيث ألقيت ملايين الكتب في نهر دجلة، ليفقد العالم كنزا ثمينا لا يمكن تعويضه بسبب موت مؤلفيه.
أسماء لامعة في تاريخنا أسهمت في بناء المعرفة، في جميع المجالات كابن النفيس، الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، ابن ماجد، الخوارزمي، جابر بن حيان، الحسن بن الهيثم، وغيرهم كثير. ولا أخفي عدم معرفتي إلى وقت قريب أن ابن النفيس هو مكتشف الدورة الدموية القصيرة، كما لم أكن أعلم أن العالم العربي حسن الرماح هو أول من وضع وصفا دقيقا للصاروخ إلى أن جاءت الحربان العالميتان الأولى والثانية، وطور الألمان الصواريخ لاستخدامها في الحرب.
في الوقت الراهن يشهد العالم، والغرب تحديدا انفجارا معرفيا امتد لمجالات، ربما لم تكن قد طرقت من قبل، خاصة في الهندسة الوراثية، والأبحاث في المجال النووي، وأبحاث النانو، وأبحاث الفضاء، والأبحاث الخاصة ببعض الأمراض المستجدة وأبحاث الطاقة، وتزامن مع هذا إيجاد ما يعرف بالملكية الفكرية التي تضمن تسجيل المخترع، أو المكتشف باسم صاحبه لضمان الحقوق المادية والمعنوية، وترتب على هذا النظام إمكانية مقاضاة من يتورط في ادعاء تأليف كتاب لم يكن له في الأصل، بل إن الأمر يصل إلى إلغاء شهادة ماجستير أو دكتوراه اقتبس الكاتب أجزاء، ولم يوثقها ويرجعها لصاحبها الأصلي، ولعل في نظامي الكتابة العلمية لجمعية علم النفس الأمريكية، ولجامعة هارفارد ما يفيد الباحثين.
يعمل في الغرب الآن الآلاف من العرب والمسلمين باحثين في المختبرات وأساتذة في الجامعات، وهناك أطباء ومهندسون وباحثون اجتماعيون ونفسيون، يعملون في الشركات والمصانع ومراكز الأبحاث ولهم مخترعات، واكتشافات ونظريات ونماذج، ومن حقهم تسجيلها بأسمائهم الأولى واسم العائلة، حتى يحفظ لهم حقهم في خدمة الإنسانية بدل ضياع جهودهم، كما ضاعت جهود الأسلاف.
إنشرها