البطالة تنغص على الحكومات

|
" نواجه اليوم أزمة منقطعة النظير أربكت نظامنا الاجتماعي والاقتصادي بسرعة البرق"
كريستالينا جورجييفا، مدير عام صندوق النقد الدولي
بصرف النظر عن طبيعة المصاعب والمصائب التي تركتها الأزمة الاقتصادية الراهنة الناجمة عن وباء كورونا المستجد، يتصدر ملف البطالة المتصاعدة الأولويات على الساحة الدولية. فهو مرتبط بحراك الاقتصاد المتباطئ في بعض الساحات، والمتوقف في بعضها الآخر، ومتصل بالنمو المهدد والأوضاع الاجتماعية عموما. يضاف إلى ذلك الأعباء المالية التي تتحملها الحكومات في دعم الرواتب في القطاعين الخاص والعام. ففي بريطانيا - مثلا - تدفع الحكومة ما نسبته 80 في المائة من الرواتب لكل العاملين في القطاع الخاص. وكذلك الأمر في عديد من الدول الأخرى، لكن هذه الحكومات تؤكد مرارا وبصورة شبه يومية أن هذا الأمر لن يستمر إلى ما لا نهاية، وينبغي أن تكون هناك آلية لتسديد الرواتب تشترك فيها الشركات والمؤسسات المعنية بالأمر.
والمصيبة أن الصورة ليست واضحة في كثير من الدول حول عملية إعادة تفعيل اقتصاداتها، وإلى أي مدى ستمضي قدما في استئناف الحراك الاقتصادي والوصول به إلى ما كان عليه قبل الجائحة العالمية الهائلة. البعض يرى أن الوقت لا يزال مبكرا للعودة، والبعض الآخر لا يرى سوى العودة السريعة بأي ثمن كان. فأصحاب نظرية تحريك الاقتصاد يرون أن توقفه يعني موت البشر من الفقر الذين سيصابون به. وأيا كانت المواقف في هذا الصدد، فالشيء الثابت أن هناك فوضى حقيقية في آلية تفعيل الاقتصادات، وهناك مخاوف جمة من هذا التفعيل توازي مخاوف جمود هذا الاقتصاد. فلا يمكن ضمان الوظائف في ظل اقتصاد متوقف، كما أنه ليست هناك للحكومات - بصرف النظر عن قدراتها - أن تمضي قدما في تسديد الرواتب المستحقة للعمال والموظفين الذين توقفوا قسرا عن العمل.
من هنا تأتي مصيبة ارتفاع معدلات البطالة في كل أنحاء العالم، أي خروج الملايين من سوق العمل، وهؤلاء يتلقون الدعم المالي الحكومي كمتعطلين، وليسوا كأولئك الذين يتلقون مرتباتهم كاملة أو جزئية. والعالم العربي كغيره من المناطق الأخرى في العالم، يتلقى الضربات تلو الأخرى في هذا المجال الحيوي والحساس. فوفق منظمة العمل الدولية، ستخسر المنطقة العربية سبعة ملايين فرصة عمل في الربع الثاني من العام الجاري، أو ما يعادل 10.3 في المائة من ساعات العمل. ورغم ارتفاع هذا الرقم، إلا أنه يبدو طبيعيا في ظل الحالة الاقتصادية المتوالدة من وباء كورونا المستجد. وبعض الدول العربية تعيش أزمات اقتصادية أصلا حتى قبل أن تتفجر هذه الجائحة، ما يرفع حجم الضغوط عليها، ويدخل الأمر في دائرة الخطر المحدق.
بالطبع، ستشكل عودة التعافي للاقتصاد العالمي فرصة لتعويض الخسائر الناجمة عن الوباء المشار إليه، لكن هذا التعافي ليس مضمونا في وقت قريب. فنحن نتحدث عن عام واحد على الأقل لبدء الانفراج الاقتصادي، فيما لو تم تنفيذ المخططات الراهنة بصورة جيدة وسلسة وواقعية أيضا. وهناك مع يعتقد أن العالم يحتاج إلى أكثر من عامين ليعود الاقتصاد إلى ما كان عليه قبل الأزمة. وهذا يعني أن المساحة الزمنية للتعافي ستنتج مزيدا من المتعطلين عن العمل، خصوصا إذا ما أخذنا في الحسبان تقديرات منظمة العمل الدولية، أن العالم سيخسر في الربع الثاني من العام الجاري 305 ملايين فرصة عمل، أو بمعدل 48 ساعة أسبوعيا، أي ما يوازي 10.7 من ساعات العمل الكلية. وكالعادة في هذا الميدان، فإن شرائح الشباب تبقى الأكثر تضررا، لماذا؟ لأنها أزمة متجذرة حتى قبل أزمة الوباء، وتعود إلى عقود خلت.
هناك قطاعات عربية وعالمية، ستكون متضررة إلى درجة أن الوظائف فيها لن تعود إلى سابق عهدها، حتى لو عاد التعافي كاملا إلى الساحة. وبحسب المنظمة الدولية نفسها، فإن عدد الشباب في المنطقة العربية الذين يعملون في القطاعات الأكثر تأثرا بالأزمة يصل إلى أربعة ملايين، وهم المعرضون لفقدان وظائفهم. وكذلك الأمر في الساحة الدولية. من هنا، فإن هؤلاء الذين يحصل بعضهم حاليا على رواتب من الحكومات، سيتحولون لاحقا إلى متعطلين يحصلون على معونات مالية واجتماعية وفق أنظمة الرعاية. والبطالة، تعني - ببساطة - توجه المتعطلين نحو خط الفقر. واستنادا إلى منظمة العمل الدولية مرة أخرى، فإن الوباء أوجد بالفعل أرقاما ضخمة من الفقر حول العالم. وهذه مصيبة أخرى، تأتي بعد أن تمكنت البرامج الإنمائية الدولية على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، من خفض معدلات الفقر، وإخراج شرائح واسعة من بؤرة الفقر المدقع.
ومشكلة الوظائف ليست جديدة، لكنها تعمقت أكثر بعد الوباء، وأربكت المخططات الحكومية كلها. ففي غضون أربعة أسابيع أنفقت الحكومة البريطانية ما قيمته 25 مليار جنيه استرليني لتسديد رواتب موظفين لا يعملون، وفي الولايات المتحدة زاد عدد العاطلين 25 مليونا على الأقل، وهؤلاء استفادوا - بالطبع - من حزم الإنقاذ الحكومية. هذا الأمر سيعمق المديونيات الحكومية، ويرفع مستوى الانكماش الاقتصادي حول العالم. إنها مرحلة خطيرة، حيث تجاوزت مخاطر الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008.
إنشرها