العيد وتحول الأوضاع

|
العيد هذا العام ليس كأي عيد، تباعد بين الناس جسديا مع تقارب القلوب، وممارسة جديدة لم تكن معهودة من قبل، حيث التكبير من صلاة الفجر يعلو المآذن من قبل المؤذنين لاسترجاع ولو صورة من صور العيد في الظروف الاعتيادية، حيث الشوارع ملأى بالسالكين للمساجد، أو الخارجين منها، أو الفارشين بسطهم متحلقين على موائد العيد يأكلون من نعم الله، ويتذوقون من أيادي بعضهم بعضا. تغير جذري هذا العيد، وكله بفعل ظروف انتشار فيروس كورونا، مذكرا إيانا بسنن الله في خلقه في هذه الحياة، حيث لا استقرار على نمط واحد، بل تقلب وتحول في أوضاع الناس بين حركة دائبة، وسكون ورخاء، وشدة “تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن”.
حكمة الله في هذا الوقت، مع هذا الوباء، فيها درس عميق لمن يعي، إذ إن نمطية الحياة لا يمكن ضمانها، فكما أن الليل والنهار يتعاقبان خلال الـ 24 ساعة، فكذا هي الحياة بمقياس الشهور والأعوام، تحمل في طياتها تغيرات مفاجئة وغريبة لا يمكن تصورها، كما لا يمكن التحكم الكامل في مجرياتها، والآثار المترتبة عليها، بل التحكم يكون نسبيا عندما يكون الناس على مستوى من الوعي، والدراية، والقدرة على توجيه سلوك الفرد وضبطه، بالشكل المناسب الذي لا يضر به نفسه، ولا الآخرين.
منذ حلول الوباء، نقلت وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي صورا من بعض المدن، في بعض الأماكن، خاصة الأسواق ذات الطابع الشعبي، تكشف عن عدم الوعي عند البعض وهم يخالفون بشكل صريح تعليمات الجهات الصحية بضرورة استخدام الكمامة، وتجنب الأماكن المزدحمة، وإيجاد مسافة فاصلة، لكن شيئا من هذا لا يتم. ويخالفون إما بسبب جهلهم وإما لعدم فهم الوضع الخطير وقلة ثقافتهم.
صحيح، الناس لديهم حوائج يلزم قضاؤها، ويحتاجون إلى الحركة والترفيه، لكن هناك أولويات، فلا يمكن أن أقدم الترفيه، والذهاب إلى المقهى والمطعم على حياتي، وما أبحث عنه في هذه الأماكن من فنجان قهوة، أو وجبة غداء أو عشاء، يمكن تحقيقه في المنزل بتكلفة أقل، وفي جو عائلي رائع، وما أحتاج إلى اقتنائه من الكماليات، يمكن تأجيله إلى ما بعد زوال الجائحة.
في ظني، أن الزيادة الملحوظة في عدد الإصابات في الأيام الأخيرة، سببه سلوك بعض الناس الذي لا يتقيد بالتعليمات الصحية المطلوب الالتزام بها، وهذا الوضع لم يأت من فراغ، بل سببه الثقافة التي توجد عند البعض. فعدم احترام الأنظمة والتعليمات الدائمة، أو الطارئة، يسهم في إيجاد تصرفات مضرة بالفرد وبالمجتمع. فعلى سبيل المثال، تعليمات وأنظمة المرور، من السرعة في الطرقات، والوقوف الخاطئ منتشرة في الشوارع والطرقات، لكن يوجد من يتجاهلها، لذا توجد الحوادث المميتة، والمسببة للإعاقات المستديمة، كالشلل، أو ارتجاج المخ، ما اضطر الدولة لوضع نظام ساهر، ولمس الناس أثره في الحد من السرعة، وتقليل الحوادث.
سؤال مهم، هل ثقافتنا قائمة على عدم الالتزام، حيث لا يلتزم الناس بالأنظمة إلا عندما توجد عقوبات شديدة، وتطبيق دقيق وفوري لها؟ أرجو ألا يكون الأمر كذلك، فالإنسان في أي مكان في العالم، يميل إلى مخالفة الأنظمة، لكن ليس بهذا الشكل الغريب الذي يحدث في بيئتنا العربية. لذا نحن بحاجة إلى الغوص في أعماق الثقافة، وتشريحها من العناصر كافة، لمعرفة أين الخلل، وما مغذيات النفور من الالتزام بالأنظمة، فمعرفة البنية الثقافية تقودنا إلى تحديد المعارف الخاطئة الموجودة لدى البعض وتصحيحها، أو البناء النفسي غير السليم الذي يشجع على عدم الالتزام بالنظام ومعالجته وتقويمه.
مثلا، لو اكتشفنا أن من يسرع سرعة جنونية، ولا يلتزم بأصول القيادة، سببه عدّ هذا الفعل بطولة، ورجولة ترفع من شأنه في عيون الآخرين، لأدركنا حينها وجود خلل في مفهوم البطولة الذي ترسخ في ذهن هذا الفرد. كما أن حالة التوتر التي يعانيها البعض نتيجة ضغوط العمل، أو الأوضاع الأسرية المضطربة، تكون سببا لمخالفة الأنظمة، كعملية نفسية يتخلص الفرد من خلالها من الشحنات المزعجة داخله، كما يفعل الطفل حين يخرب حاجات أخيه الذي ضربه، أو نبهه لأمر من الأمور.
إنشرها