الضريبة وممارسة الأعمال

|
عندما تم تدشين نظام ضريبة القيمة المضافة وبدأ الجميع في الاستعداد له، كنا نتحدث عن جانبين مهمين: الأول الإدارة الضريبية، والثاني، الآثار المباشرة وغير المباشرة على الأعمال. وفيما يخص الجانب الأول، تحدثنا فيه عن صعوبة الوضع على الجهة الضريبية "هيئة الزكاة والدخل"، وعلى الشركات "أو المكلفين"، لأن الموضوع برمته جديد علينا، فلا توجد ثقافة ضريبية مؤسسة بشكل جيد، ولا مواهب متخصصة متاحة في سوق العمل ولا أنظمة جاهزة لتطبيق النظام، ولا تصور واضح لمدى نجاح تطبيق هذا الأمر، أو كيف سيحدث فعليا على أرض الواقع. اليوم، وبعد مرور ما يقارب 30 شهر على التطبيق، تجاوزنا هذه المرحلة، بتنا نعرف معظم الإجابات، هناك من تأخر بعض الوقت وعرف الإجابة بالطريقة المكلفة والصعبة، وهناك من خطط واستعد وتكبد بعض المشقة، لكنه كان في جاهزية أفضل لاستفتاح تعامله مع الضريبة ومتطلباتها. وبذلك، انتقلت تحديات الإدارة الضريبية الإدارية والعملية من مستوى صفر أو 1، إلى مستوى متقدم بعض الشيء، إذا بدأنا نعرف كيف يجب أن تكون أشكال العقود، وربما تم تكييفها بشكل عملي يحمي المصالح ويقلل الجدل مع الموردين والعملاء، وأصبحنا نستجيب للفحوصات المؤتمتة التي تقوم بها هيئة الزكاة والدخل بشكل روتيني ودون فزع، وأصبحنا نتطلع إلى زيادة كفاءة حل النزاعات الفنية والمسائل المتعقدة الجديدة، مع أن الأسلوب الجديد أفضل من سابقه بمراحل. لذا، من النواحي الإدارية، لا أعتقد بأن المواضيع ستختلف كثيرا بعد تطبيق رفع نسبة الضريبة الذي تم إعلانه قبل بضعة أيام "من 5 إلى 15 في المائة". لكن في الجانب الآخر، من ناحية الأثر على الأعمال، الأمر ينظر إليه من زاوية أخرى.
يقوم الجانب الآخر على مسألة إدراك الأثر المالي لهذه الزيادة في الأعمال. والحديث هنا قابل للتفصيل ومليء بالاحتمالات التي تسترعي الانتباه وتستحق التوقف، ولن يكشفها ويوضح أثرها بالتحديد إلا الزمن بعد مروره، إذ ستكشف الأشهر والأعوام المقبلة عن الأثر بشكله الواضح والحقيقي. وعلى الرغم من أن الزوايا التي تدخل تحت باب الأثر في الأعمال سبق أن تحدثنا عنها عند تدشين الضريبة "إذ تشمل الأثر في سلوك العملاء والموردين وتأثيرات الزيادة في سلسلة التوريد وتكلفة الإنتاج، وكيف ينعكس ذلك على المنشأة وإدارتها"، إلا أن زيادة الضريبة في حد ذاتها خطوة اقتصادية في الأساس، والاقتصاد كما يعرف محبوه مسألة مرتبطة بالتنبؤات والاحتمالات وتحجمه مجموعة من القوانين والعلاقات، التي ستتأثر في نهاية الأمر تبعا لزيادة التكلفة على المستهلك وزيادة العبء الذي يتم تمريره على أطراف عملية التوريد.
ولمن يتعامل مع ضريبة القيمة المضافة مباشرة وتتأثر أعماله بقدرته البيعية، تصبح محاولة التنبؤ بالأثر الضريبي في مستوى الاقتصاد الكلي هدرا للوقت، فهناك من يقوم بهذا الأمر، وكل ما علينا استخلاص التوقعات من مصادرها الموثوقة. أما من يريد أن يقيم الوضع على منشأته بشكل موضوعي ويحاول استشراف ما يخصه من هذا التغيير، عليه أن ينظر في طبيعة القطاع أولا، فكل قطاع يحوز على آلياته وسماته الخاصة به. نحن لا نقول يجب ألا نفكر في الأثر الاقتصادي للضريبة، لكن سياق تحليل الأثر من الناحية الاقتصادية في نمو الناتج المحلي - مثلا - يختلف عن تقييم الأثر في أعمال منشأة محددة، فلكل سياقه وأدواته وأفعاله الخاصة به، ولهذا يجب أن نحدد أولوياتنا بوضوح.
تختلف القطاعات من حيث طبيعة المستهلك النهائي، ومدى حساسية العميل السعرية وقبوله للتغير في التكلفة التي سيتحملها. هل ستجعله يغير من سلوكه الشرائي، يبحث عن بدائل، يقلل من الاستهلاك؟ أم لن يتأثر؟ ثم طبيعة سلسلة الإمدادات وتركيبتها ومدى تحمل أطرافها لإعادة توزيع العبء الضريبي، الذي سيزيد في جانب المدفوع من ضريبة المبيعات وجانب المسترد من ضريبة المشتريات. ربما لبعض الأعمال تكون المسألة مجرد تغيير في حجم عملية "سدد واسترد" التي يقوم بها، لكن بعض الآخر، ستقوده الترتيبات الجديدة إلى إعادة المفاوضات مع مورديه وعملائه. على سبيل المثال، كثير من الأعمال كانت تتجاهل توثيق ضريبة القيمة المضافة على المشتريات ولا تحاول استردادها باعتبار أن قيمتها غير مجدية، وتهتم فقط بتوريد ضريبة المبيعات لهيئة الزكاة والدخل. لكن، عندما تتحول النسبة من 5 في المائة إلى 15 في المائة، هل سيستمرون على الفعل نفسه؟
ممارسو الأعمال "أبخص" بأعمالهم، لكن الانشغال في جدل اقتصادي عقيم أو محاولة افتراض النتائج واستباقها دون القيام بالمجهود اللازم، شيء لا يتفق مع المفاهيم الاقتصادية.
إذا تحولت هذه التصورات إلى قرارات - سواء بالقيام بخطوة غير مدروسة جيدا أو عدم القيام بشيء - فإن فترة الانتظار قد تحقق نتائج لا يرغب فيها أحد. ولا ننسى أن تقييم الوضع بما في ذلك السلوك الاستهلاكي أو بعض العلاقات والمفاوضات القائمة، لن يكون في معزل عن المؤثرات الاقتصادية الأخرى، مثل احترازات كورونا وأسعار النفط. لذلك، يبقى الأمل في السيطرة على ما يمكن السيطرة عليه، كالتقييم الداخلي الجيد، ومرونة التعاقد والتفاوض، والوصول إلى التحليلات والتقارير اللازمة التي تعطي صورة عادلة عن التحديات والفرص التي نشأت بسبب هذا التغيير.
إنشرها