التمويل الإسلامي وأزمة «كوفيد - 19»

|
التمويل الإسلامي يعد أحد الخيارات عالميا اليوم في ظل النمو الذي يشهده بصورة مستمرة، حيث إنه بعد مجموعة أزمات مر بها العالم لم يزل هذا القطاع يحقق نموا جيدا كل عام، وفي ظل الأزمة المالية العالمية التي حدثت أواخر 2007 واشتدت عام 2008، كان التمويل الإسلامي أحد نجوم تلك المرحلة في ظل أزمة عالمية كان سببها الرهن العقاري الذي جعل للتمويل الإسلامي بالأدوات المتاحة فيه أهمية كبيرة، خصوصا أن الأزمة ارتبطت بالسندات، وهي ديون لا ارتباط لها بأصول، ما جعل العالم يهتم بصورة كبيرة بالنموذج الذي يقدمه التمويل الإسلامي ويعتمد على الأصول، خصوصا الصكوك الإسلامية التي برزت في تلك المرحلة واستفادت كثيرا من الإقبال عليها من قبل المستثمرين، وبعد ذلك شجع المؤسسات المالية والمستفيدين بدعم الباحثين على تطوير نماذج متنوعة من هذه الأداة لتوفر خيارات متنوعة تناسب رغبة المستفيدين، ومن هنا نما حجم الأصول المتوافقة مع الشريعة بشكل ملحوظ بفضل الثقة التي بدت واضحة بأدوات التمويل الإسلامي، خصوصا لدى الحكومات التي بدأت تطرح فرصا للتمويل من خلال الصكوك الإسلامية التي وجدت إقبالا كبيرا بسبب الثقة بالإصدارات الحكومية عموما، إضافة إلى كثير من الاستثمارات التي تبحث عن الأدوات المالية منخفضة المخاطر والمتوافقة مع الشريعة، سواء الصناديق الاستثمارية المتوافقة مع الشريعة أو المصارف أو كبار المستثمرين.
في هذه الأزمة العالمية التي تحمل - بلا شك - شقا اقتصاديا، كيف يمكن أن يسهم التمويل الإسلامي في تخفيف حدة الأزمة اقتصاديا، وتقديم مجموعة من الخيارات التي يمكن أن يستفاد منها في معالجة الأزمة الحالية وإبراز دور التمويل الإسلامي أو الاقتصاد الإسلامي بإطاره الشامل في التعامل مع هذه الأزمات؟ لا شك أن إبراز دور الاقتصاد الإسلامي مهم، فالنظام الإسلامي لا يقدم خيارات مالية مجردة، بل منظومة حياة متكاملة بجوانبها الاجتماعية والإنسانية والمالية، لذلك من المهم أن يبرز دور الاقتصاد الإسلامي أو التمويل الإسلامي في هذه الجائحة بالذات واضحا، وإذا لم يبرز فإن النظريات التي نتكلم عنها بأن النظام الإسلامي يراعي العدالة الاجتماعية والاهتمام بمعالجة الفقر والحاجة أمر لا معنى له إذا لم يكن واقعا من خلال ممارسة وإبراز أهم المبادئ التي يقوم عليها التكافل الاجتماعي في الإسلام. ولعل ما يميز النظام الإسلامي للاقتصاد أو المال في هذا الشأن عن الأنظمة الأخرى، أن التكافل الاجتماعي ركيزة تم تناولها بشكل مفصل في الشريعة الإسلامية، ويمكن لنا أن نتحدث عن أبرز هذه القضايا، ومنها العناية بالصدقة والزكاة والحرص على دفعها للأقربين ممن لا تجب على الفرد نفقتهم، حتى إن العطاء للقريب صدقة وصلة تتضاعف معها الحسنات، إضافة إلى زيادة أواصر المحبة والود بين الأقارب، وهذا مهم ويحث عليه الإسلام بشدة. ومن أنواع التكافل الاجتماعي، الإقراض دون الحصول على عائد مادي أو معنوي، إنما لمساعدة الآخرين على تجاوز الأزمة وإعادة هذا المال حال اليسر بعد انفراج هذه الأزمة. ومن القيم التي حث عليها الإسلام، مراعاة حال المعسر، حيث يتم الصبر عليه وعدم مطالبته بالسداد حالا يتمكن من تجاوز هذه الأزمة الحالية ويرد ما عليه من التزام في المستقبل القريب، بعدما تتحول حاله من معسر إلى ميسور، وهو ما يتوقع أن يكون بعد انفراج هذه الأزمة. ومن ذلك مساعدة الناس في الحصول على مصدر للكسب من خلال إرشادهم إلى خيارات أخرى يمكن أن تكون خلال هذه الجائحة فرصة للكسب، ففي الوقت الذي توقفت فيه وسائل ومصادر الدخل من قطاع الترفيه - مثلا - من الممكن أن تكون هناك فرص للكسب من خلال صناعة بعض المواد التي يحتاج إليها القطاع الصحي أو العمل بصورة أكبر في القطاع الزراعي لتوفير الغذاء للناس، أو غيرها من الأنشطة التجارية.
هذه المنظومة المتكاملة من التكافل الاجتماعي لها أثرها الاقتصادي الآني، إضافة إلى أثرها الاجتماعي والإنساني. فتخيل معي لو أن شخصا مدينا لمؤسسة مالية أو لشخص وطالبه بالسداد فورا في ظل هذه الأزمة، واضطر إلى إغلاق نشاطه التجاري لذلك، فالمتوقع أن تنخفض فرص المؤسسة المالية لتقديم تمويل مربح مستقبلا وتضعف معه الأنشطة الاقتصادية التي تعود إلى جميع المنظومة الاقتصادية في البلاد بعائد اقتصادي أكبر. لذلك، نجد أن الحكومات اليوم حريصة على تقديم مجموعة من الحوافز المكلفة من أجل أن تبقى المنظومة الاقتصادية مستمرة وفاعلة.
الخلاصة: إن مبادئ الاقتصاد والتمويل الإسلامي لا بد أن تظهر بصورة واضحة خلال الأزمات والجوائح للتأكيد أن عناية الإسلام بجانب التكافل الاجتماعي واقع وممارسة بالقدر الذي وردت به مفصلة في مصادر التشريع في الإسلام، وهنا يأتي رواد العلم والمعرفة والمؤسسات المالية لإبراز ذلك من خلال برامج ومبادرات يمكن لها أن تعزز قدرة الدول والأفراد على مواجهة أزمة "كوفيد - 19".
إنشرها