التحول الرقمي .. كورونا أبرزته وجعلته ضرورة

|
تتعامل التقنية الرقمية مع المعلومات عبر ثلاث وظائف رئيسة. الوظيفة الأولى هي تخزين المعلومات Storing مهما كانت أحجامها ضمن شرائح صغيرة تقل أبعادها بشكل متواصل؛ والوظيفة الثانية هي معالجة المعلومات Processing تبعا للمتطلبات، وتبعا لدرجات الذكاء الممكنة التي تشهد تزايدا مستمرا، أما الوظيفة الثالثة فهي نقل المعلومات Transferring سلكيا ولاسلكيا، عن بعد وقرب، على مستوى الأرض وعبر الأقمار الصناعية، وبسعات عالية تتزايد باطراد. وبالطبع ليس المقصود بالمعلومات هنا النصوص فقط، بل الصوت والصورة والفيديو وكل ما بات يعرف بالوسائط المتعددة Multimedia أيضا. ولا شك أن لمثل هذه الوظائف الثلاث أهمية كبيرة في تنفيذ النشاطات المعلوماتية التي يحتاج إليها الإنسان في جميع المجالات، خصوصا أن التقنية الرقمية تؤديها بكفاءة عالية وفاعلية متميزة.
أطلقت التقنية الرقمية الإنترنت Internet: شبكة شبكات المعلومات، قبل نحو ثلاثة عقود، أي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي. وشهد العالم بعد ذلك بناء مواقع معلوماتية حولها في شتى بقاع الأرض لتتوسع تطبيقاتها باستمرار، ويتمكن الجميع من أداء النشاطات المعلوماتية عبرها. وهكذا بات العالم محكوما معلوماتيا بها، حتى أطلق على عالمها تعبير الفضاء السيبراني Syber-space، للدلالة على ذلك. ولعل من المناسب القول هنا، إن الإنترنت أعطت للإنسان القاعدة التقنية المناسبة للتحرك نحو التحول الرقمي وبناء مجتمع المعلومات.
استجابت دول العالم للتحرك نحو التحول الرقمي، حيث عقد مؤتمر قمة عالمي حمل اسم مؤتمر قمة مجتمع المعلومات WSIS؛ وجاء ذلك على مرحلتين الأولى في جنيف Geneva عام 2003، والثانية في تونس عام 2005. وكانت غاية المؤتمر هي استخدام التقنية الرقمية المعلوماتية في المجتمع على مستوى العالم، والاستفادة منها على نطاق واسع بما يؤدي إلى تفعيل التنمية وتعزيز استدامتها. وشملت أهداف هذه القمة الاهتمام بربط العالم عبر الإنترنت، مع التركيز على مجالات محددة شملت التعليم، والبحث العلمي، والصحة، والمكتبات ومراكز المعلومات، والخدمات الحكومية، إضافة إلى الاهتمام بشكل خاص بالمناطق النائية، التي غالبا ما تكون أقل حظا. وتضمنت الأهداف أيضا التوسع في محتوى الإنترنت المعلوماتي، وتطوير المناهج الدراسية بما يتناسب مع مجتمع المعلومات.
حرص مؤتمر قمة مجتمع المعلومات على إيجاد وسائل تستطيع الإسهام في تحقيق أهدافه، وتنسيق المهمات المطلوبة في هذه السبيل. من هذا المنطلق نشأت في كل دولة من الدول المشاركة في القمة، وبينها المملكة بالطبع، لجنة وطنية لمجتمع المعلومات NCIS مهمتها التواصل بشأن ذلك مع أبناء المجتمع، والمؤسسات في المجالات المختلفة، والمنظمات الدولية ذات العلاقة أيضا.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن المملكة شهدت بعد مؤتمر قمة المعلومات نشاطات معلوماتية كبيرة تمثلت في ظهور برنامج التعاملات الإلكترونية الحكومية: "يسر"؛ وبروز خدمات "أبشر" المتميزة، وخدمات أخرى في مختلف المجالات، فضلا أيضا عن التوسع في تمكين مثل هذه الخدمات، عبر بناء أنظمة اتصالات متطورة سلكيا ولاسلكيا تتمتع بنطاق عريض يعزز معطياتها.
مثل التحول الرقمي الأمل المنشود على مستوى العالم، ومستوى المملكة، لكنه لم يخترق بالقدر الكافي ما تعود عليه الإنسان عبر الزمن. فالإنسان الباحث عن خدمة تشمل معالجة معلوماتية معتاد على النشاطات المباشرة المحسوسة ماديا؛ معتاد أن يرى الموظف المسؤول عن تقديم الخدمة أمامه، ويأخذ توثيقا ورقيا لمنجزات العمل المعلوماتي المطلوب. والموظف بدوره على الطرف الآخر معتاد أيضا على مثل ذلك. لمثل هذا الموظف مكان عمل يجب أن يأتي إليه في وقت محدد، ويغادره بعد زمن محدد، حتى وإن كان العمل معلوماتيا لا يحتاج أصلا إلى وجوده في مكان محدد، وإنما يحتاج إلى عمل يؤديه ومعطيات يقدمها، سواء كان ذلك بشكل مباشر عن قرب، أو غير مباشر عن بعد عبر الإنترنت. وما ينطبق على الموظف والباحث عن الخدمة هنا، ينطبق أيضا على المعلم والطالب في كثير من النشاطات، كما ينطبق أيضا على اللقاءات والاجتماعات المهنية في مختلف المجالات. أعاقت العادات المكتسبة التحرك نحو التحول الرقمي بالسرعة اللازمة، فاستمر كثير من الأعمال كالمعتاد. حتى بعض الأعمال التي تحولت من النظام اليدوي إلى الإلكتروني، جاء النظام الإلكتروني بشأنها على شكل ترجمة لما كان عليه النظام اليدوي، وهذا ما يناسب جانب العادة، على الأقل في المنهجية وتسلسل المراحل. ولعل من المناسب هنا العودة إلى جملة قديمة تقول التالي حول تأثير العادة في حياة الإنسان: نحن نصنع عاداتنا بأنفسنا، لكنها بعد ذلك هي التي تصنعنا. ولا شك أن الأوان قد حان لنصنع عادات جديدة لعمل أكثر كفاءة وفاعلية، يستخدم التقنية الرقمية على أفضل وجه ممكن، بل يتطور معها نحو الأفضل. وبالطبع بدأت فيروسات كورونا تدفعنا نحو هذا الاتجاه.
تشهد النظرة إلى التحول الرقمي، تحت ضغط كورونا، تحولا من التردد والتأجيل والاستسلام لعادات كرسها الزمن إلى ضرورة العمل على تنفيذ هذا التحول دون تأخير. فقد أثبتت التقنية الرقمية أنها سلاح فاعل في مواجهة كورونا، حيث وقفت في الصف الأول مدافعة عن نشاطات الإنسان وعطائه، لتمكنه من أداء أعمال كثيرة مفيدة عن بعد، من مكانه في العزل المنزلي، لتحميه بذلك من عدوى الوباء التي قد تصل إليه، إن هو أدى هذا العمل بين الآخرين في مكان العمل المعتاد.
حديث التحول الرقمي يبدأ لكنه لا ينتهي، فلا تزال التقنية الرقمية تسبق الإنسان في استيعابه خدماتها، واستغلاله كل معطياتها، فهي على الدوام في تطور مستمر يجدد إمكاناتها ويعزز فوائدها. كورونا حملت إلى العالم مآسي كثيرة، لكنها اخترقت عادات كانت تبطئ التحول الرقمي. لم يعد هذا التحول في ظلها خيارا يحتاج إلى قناعة، بل بات ضرورة لا بد منها. عندما تنتهي كارثة كورونا، بعون الله وفضله، سيكون خيار التحول الرقمي قد اكتسب قناعة أقوى، وشهد استجابة أوسع تعزز كفاءة الأعمال وتفعل أداءها.
إنشرها