الاتحاد الأوروبي يبقى أقوى من كورونا

|
"أوروبا لن تملك فرصة نجاح، إذا لم تتمكن من معالجة تبعات كورونا"
إيمانويل ماكرون، رئيس فرنسا

الجميع يحصي خسائره الاقتصادية حول العالم، من جراء الضربات المتلاحقة والمستمرة لوباء كورونا المستجد، في ظل آمال مفقودة حتى الآن، حول إمكانية إيقاف هذه المصيبة العالمية، أو حتى احتوائها. ورغم كل الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومات كلها، فالخسائر مستمرة، وتأخذ أشكالا مخيفة، ولا سيما على الجانب الاجتماعي الذي نالته الأضرار من كل جهة. لا يوجد حاليا اقتصاد واحد في هذا العالم محصن من الآثار الناجمة عن الوباء العنيف. فحتى الدول الكبرى، صارت تصيح هلعا ليس بسبب الخسائر الراهنة، بل بفعل التبعات الاقتصادية عندما تنتهي الأزمة، التي ستكون حاضرة على الساحة فترة طويلة، لتضرب الاقتصاد العالمي بانكماش فظيع، قد يقود إلى ركود أفظع، في وقت كان فيه هذا الاقتصاد مضعضعا حتى قبل انفجار كورونا وتفشيه العدواني.
الاتحاد الأوروبي كغيره من الكيانات والدول يتصدر المشهد الاقتصادي المخيف. هذه المنطقة التي شهدت حتى اليوم، أكبر عدد من المصابين والوفيات من جراء الوباء. وكان طبيعيا أن تنشب الخلافات بين بعض دول هذا الاتحاد، بشأن الاستراتيجية اللازمة لإنقاذ الاقتصاد الأوروبي. ورغم أن بريطانيا لم تعد تحسب ضمن المخططات الأوروبية، يمكننا استعارة توصيف ريتشي سوناك؛ وزير ماليتها، بأن الأزمة التي تمر بها بلاده هي الأقوى منذ 300 عام. لنترك هذا الأخير، ليحاول لملمة ما أمكنه من اقتصاد بلاده، فالأزمة ليست أقل حدة وخطورة من تلك التي تضرب بقية دول أوروبا. الاتحاد الأوروبي، استطاع بسرعة فائقة تجاوز مرحلة الخلافات بين دوله، ولا سيما المحورية منها، بشأن خطط الإنقاذ. ويبدو واضحا أن فداحة الأزمة لم تترك مجالا واسعا للتضارب بينها.
تم الاتفاق على ساحة الاتحاد لإنشاء صندوق إنقاذ؛ تصل قيمته إلى تريليون يورو. وكان هذا متوقعا، حتى في ظل الخلاف الرئيس الذي نشب في البداية بين ألمانيا الدولة الأكثر مساهمة في ميزانية الاتحاد وعمليات الإنقاذ، وفرنسا الأكثر قوة في هذا التكتل، والأشد تمسكا بالحفاظ عليه، بصرف النظر عن أي اعتبارات ومعطيات. ويبدو واضحا، أن التفاهم السريع بين القوتين الكبيرتين في الاتحاد، انتقل إلى مسألة إعادة فتح الاقتصادات الأوروبية التي أغلقت منذ أسابيع عدة، أو على الأقل، فتح جزئي لها. وهذا بالمناسبة أمر ليس موجودا على الساحة الأمريكية، التي تشهد خلافات حتى ملاسنات بين الرئيس دونالد ترمب؛ وعدد من حكام الولايات. فالأول يريد الفتح الاقتصادي الفوري، والآخرون يعتقدون أن الوقت لا يزال مبكرا لمثل هذه الخطوة الخطيرة والحساسة.
المفوضية الأوروبية كغيرها لا تتوقف عن إحصاء الأضرار الاقتصادية في الدول التابعة لها. ففي غضون أسابيع قليلة، ارتفع عدد العاطلين عن العمل في أوروبا بصورة جنونية، إلى درجة أن قطاع السياحة وحده فقد 1.2 مليون وظيفة في وقت قصير للغاية. وهذا مؤشر إلى فداحة المصائب في القطاعات الأخرى. فعلى سبيل المثال، يقدر بنك جولدمان ساكس، فقدان المصارف الأوروبية 120 مليار يورو على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة، بسبب كورونا. وترى كريستين لاجارد؛ رئيسة البنك المركزي الأوروبي، أن الجائحة قد تخفض ناتج منطقة اليورو بين 5 و15 في المائة. ويعتقد تيري بريتون المفوض الأوروبي للشؤون الصناعية، أن التكتل يتجه هذا العام صوب انكماش اقتصادي بنسبة تراوح بين 5 و10 في المائة بسبب تفشي كورونا. وهو نفسه يقول، إن الرقم قد يكون أسوأ، إذا لم تتحسن الأمور.
لا نستطيع اعتبار أن الموافقة على صندوق التريليون يورو، حسمت الخلافات حول استراتيجية الإنقاذ تماما بين الأطراف المعنية. فقد أجل قادة الاتحاد الأوروبي مناقشة التفاصيل حتى الصيف المقبل، وهو قريب. وكما يقال دائما، "إن الشيطان يكمن في التفاصيل". غير أن الخطوة الأولى كانت سريعة وجيدة؛ ليس فقط لاقتصادات منطقة اليورو، بل لمستقبل الكيان الاتحادي ذاته، الذي تعرض للتشكيك منذ بداية أزمة الجائحة من جانب عدد من المسؤولين الأوروبيين، وفي مقدمتهم كوسبي كونتي؛ رئيس الوزراء الإيطالي، غير أن هذا الأخير سرعان ما صمت، بعد تلقيه تحذيرات قوية من جانب إيمانويل ماكرون؛ الرئيس الفرنسي، المهم الآن، أن حزمة الإنقاذ الهائلة تم إقرارها، حتى لو تأجلت تفاصيلها لأسابيع قليلة.
لن يتداعى الاتحاد الأوروبي كما روج البعض من جراء وباء كورونا. صحيح أنه دخل دائرة الخطر، لكن الصحيح أيضا، أن هناك قوى محورية مؤثرة جدا، ستقاتل حتى النهاية من أجل استمراره. فلخطة الإنقاذ التريليونية جانب مصير أساسي، يشبه إلى حد بعيد الجانب الخاص بإنقاذ عدة دول أوروبية في العقد الماضي، مثل: اليونان وإسبانيا والبرتغال وإيرلندا. وقتها علت الأصوات التي تحدثت عن انفراط عقد الاتحاد الأوروبي، إلا أنه استمر محافظا على قوته وهويته في آن معا، دون أن ننسى أن الحاضن الأكبر له فرنسا وألمانيا، يضع مستقبل التكتل الكبير فوق كل شيء. إنها مسألة حياة أو موت.
إنشرها