هل يمكن تخفيف قيود عن الحركة؟

|
يواجه العالم أسوأ تدهور اقتصادي منذ الكساد الكبير قبل نحو 100 عام. السبب قيود الإغلاق المفروضة. رفع القيود يعني الوقوع في أضرار أكبر صحيا فاقتصاديا. الصحة شرط من شروط عمل الاقتصاد. لكن هناك كثيرون في العالم من ساسة وغيرهم يرون أن بالإمكان تطبيق حلول ممكن أن تعد غير تقليدية تقلل التدهور وبصفة أعم تقلل الأضرار الاقتصادية دون حاجة إلى دفع ثمن صحي باهظ.
آخر كلمات تتطلب توضيحا. ما معنى تقلل دون ثمن باهظ؟
دفع ثمن ما أمر لا مفر منه. ومن ثم فإن المطلوب عند المطالبين بتطبيق حلول غير تقليدية أن يكون الثمن أي التضحيات في حدود دنيا يمكن قبولها، مقابل المصالح المحققة مقابل التضحيات. كيف؟ لعل المثال التالي يوضح ويقرب الفكرة.
تشهد دول العالم ومنها بلادنا عددا هائلا من الحوادث، ومنها حوادث السيارات وتوابعها. ودون دخول في تفاصيل، معروف أنه ينتج من هذه الحوادث كم من الوفيات والخسائر المادية والجهود والأوقات الضائعة.
التساهل في تدابير السلامة المرورية الحالية ينتج حوادث ووفيات أكثر.
والعكس بالعكس. التشدد في تلك التدابير ينتج حوادث ووفيات أقل. مثلا، خفض السرعات القصوى الحالية تخفيضا ملموسا. الخفض يطول الطرق والشوارع التجارية والشوارع داخل الأحياء.
ما تأثير هذا الخفض في عدد وطبيعة الحوادث؟
بالتأكيد ستخفض الحوادث انخفاضا كبيرا من حيث العدد والنوعية. والنتيجة خفض عدد وفيات وإصابات وخفض أضرار مادية وضياع أوقات وجهود.
لكن سيطرح سؤال مهم: ما تكلفة تحقيق هذا الخفض؟
كلما شدد في التدابير، قلت الحوادث. لكن في المقابل، هناك تكلفة. سيتضرر كثيرون. سيطول في الأغلب وقت المشاوير بشكل يراه الناس أثقل كثيرا من الوضع قبل. كما سيزيد استهلاك الوقود وغير ذلك.
وأرى تطبيق حلول وسط. مثل أن تنفق مبالغ أكثر على التوعية والمراقبة المرورية. وتغطى كل الشوارع بما في ذلك داخل الأحياء بكاميرات مراقبة ولوحات تحديد السرعة. كما يعالج كل ما يمكن علاجه من العيوب التصميمية أو التنفيذية في الشوارع. وعلى رأس المعالجة توفير الأرصفة المناسبة للمشاة في كل الشوارع حتى داخل الأحياء. والنتيجة مزيد وعي بأهمية السلامة المرورية، وفصل قوي لحركة المشاة عن حركة السيارات؛ ما يقلل الإصابات البشرية كثيرا.
وعودة إلى موضوعنا الأصلي أعني هل يمكن تطبيق حلول تقلل الأضرار الاقتصادية الناجمة عن تقييد الحركة دون حاجة إلى دفع ثمن صحي باهظ.
الجواب يمكن في حدود ضيقة، بما يشبه إمكان تقليل حوادث السيارات دون تكلفة وتبعات كبيرة.
وتبعا، يرى علماء اقتصاد بارزون في الغرب أنه مطلوب زيادة الاهتمام بجوانب على رأسها زيادة الإنفاق على جوانب وقائية صحية، وزيادة الضوابط الصحية. زيادتها بما يمكن من تخفيف قيود بعينها ومن ثم تنخفض الأضرار الاقتصادية، دون أن ينتج من ذلك دفع ثمن كبير. وتبعا، بدأت دول غربية في مراجعة بعض القيود. ومن هذه الدول ألمانيا.
فقد أعلنت المستشارة الألمانية ميركل؛ خططا لتخفيف القيود التي وضعت للحد من تفشي وباء كورونا. لن يكون من هذه الخطط التخفيفية التساهل في قواعد التباعد الاجتماعي. لكن سيسمح قريبا لبعض المتاجر والنشاطات والخدمات والمرافق أن تفتح أبوابها تحت ضوابط. كما وضعت أو ستوضع قواعد أكثر تفصيلا لفرض ارتداء الكمامات خارج المنازل.
أما في إسبانيا وهي من الدول شديدة التضرر من كورونا، فقد تقرر أنه سيتم السماح للعاملين في قطاعات الإنشاء وبعض القطاعات الخدمية الأخرى بالعودة إلى أعمالهم، شريطة الالتزام بالضوابط الصحية الموضوعة. أما بقية السكان فعليهم البقاء في المنازل.
أما في أمريكا، فتنقل الأخبار أن النقاش يجري هناك على إعادة تشغيل أجزاء من الاقتصاد خلال الأشهر المقبلة.
طبعا، من المهم وقبل السماح بإعادة تشغيل أي نشاط أو محال، صدور إرشادات ملزمة مفصلة وموضحة بكل طريقة ممكنة بما يلزم تطبيقه من ضوابط صحية ملزمة لهذا النشاط أو المحال. كما أن من المهم أيضا مراعاة مدى تطبيق أفراد المجتمع للضوابط الصحية، والقدرة على إلزامهم بهذه الضوابط لو سمح لنشاط ما بالفتح.
باختصار، يشهد الاقتصاد العالمي حالة ضعف شديدة. وانهياره يجعل الانتعاش لاحقا صعبا جدا. لكن في المقابل تبدو أهمية السيطرة على الوباء، ومن ثم بذل النفقات والعمل بما يحمي الناس من الضرر.
إنشرها