تكتل عالمي لمواجهة خطورة الجائحة

|

 تقود السعودية العالم في أكبر أزمة صحية في التاريخ الحديث، وذلك من خلال رئاستها قمة مجموعة الدول العشرين التي ينظر العالم إليها نظرة الأمل في إيجاد حل عاجل لهذه الأزمة الكبيرة سواء في جانبها الطبي المباشر أو الأعراض الاقتصادية الأخرى، لكن التحدي أمام "مجموعة العشرين" كبير أيضا فقد نشرت "الاقتصادية" بالأمس تقريرا مهما عن مسارات الجهود الدولية لمكافحة فيروس "كوفيد ـ 19".

من الواضح أن التحدي أكبر من مجرد مرض يتطلب رفع جهود الهيئات والمؤسسات الطبية وجاهزيتها في كل دولة أو تطبيق مبادئ قديمة في العزل؛ بل هو كما قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، في مؤتمر ميونخ الأمني الشهر الماضي "نحن لا نكافح وباء فحسب؛ بل نكافح وباء تثقيفيا أيضا"، ولعل عنوان التقرير الذي نشرته "الاقتصادية" يحمل في طياته معاني كثيرة وعميقة جدا، فلم يعد هناك مجال واسع للشعارات الفارغة التي حملتها المفارقات الاجتماعية بين الشعوب والمجتمعات، فهذا المرض الخطير يهاجم البشر كافة، ولا يمكن لأحد الفكاك منه ما لم يتم اتخاذ تدابير جماعية.
فتسارع الأحداث يثبت أن التصرفات الفردية سواء للأفراد في المجتمع الواحد أو حتى على مستوى الدول قد تقوض الجهود كافة، ولهذا فإن التصرفات الفردية على أي مستوى لن تكون كافية لمواجهة هذا الوباء، لكن السؤال الذي يطرح بقوة الآن هو: ما مدى قدرة البشر على العمل كجماعة واحدة؟ وما الآلية التي يمكن التصرف من خلالها بشكل جماعي؟ وبما يعين الشعوب كافة حتى تلك الفقيرة والفئات المهمشة في المجتمعات، وأولئك الذين يعيشون على خطوط التماس في الملاجئ.
العالم بحاجة إلى صياغة ثقافية جديدة تتيح النظر إلى الموارد المتاحة بطريقة تنقذ الجميع؛ لأن استخدامها بشكل جائر لخدمة طرف دون آخر لن ينتهي إلا بتقويض الجهود مرة أخرى، هنا نفهم بوضوح معنى عبارة أنه لم يعد المكان واسعا للشعارات الزائفة.
الاستخدام الأمثل للموارد على مستوى الكرة الأرضية وتوجيهها نحو النقاط الأضعف في محاربة الفيروس هما الحل الأمثل اليوم، والمقصد أن إغلاق كل دولة على نفسها ومواردها ليس حلا بقد ما يكون جزءا رئيسا من المشكلة، فالأمر اليوم يتطلب منا جميعا ودون قيود احتواء الوباء من خلال دعم أنظمة الرعاية الصحية الضعيفة في أي دولة وعلى وجه السرعة، ويجب أن تكون هذه الجهود سريعة وواسعة النطاق، فقد أثبت الفيروس سرعته في تخطي كل الحواجز والرقابة، وفي المسار هذا فإن أهم منظمة قادرة اليوم على توحيد الجهود هي "مجموعة العشرين" التي عليها أن تتحد مرة أخرى وتتجاهل الخلافات لبناء وتشغيل خطة عمل مشتركة لدعم خطط عالمية الطابع واستراتيجية المستوى لدعم الدول التي تتعرض الآن لهجمات الفيروس بشدة وتلك التي تترقبه بقلق، وأن يتم العمل بشكل موحد على توحيد جهود البحث لتطوير لقاح، وتوزيعه.
العالم بحاجة إلى تمويل، وتقدر منظمة الصحة العالمية أن العالم قد يحتاج إلى ثمانية مليارات دولار من التمويل الجديد الفوري، ومليار دولار لتعزيز استجابة منظمة الصحة العالمية للطوارئ والتأهب، و250 مليون دولار لتدابير المراقبة والسيطرة، وملياري دولار لتطوير اللقاحات، ومليار دولار للصناعات التحويلية وتوزيع اللقاحات، و1.5 مليار دولار للأدوية العلاجية لعلاج "كوفيد ـ 19"، ومع هذه الأرقام، فإن العالم بحاجة إلى العمل الجماعي، كما يتطلب تضحيات مناسبة الآن من قطاعات الاقتصاد العالمي كافة، وهنا الحديث عن القطاعين الخاص والخيري. ورغم أن هناك مبادرات جادة وفعلية من صناديق خاصة مثل صندوق "ويلكم تراست" و"ماستر كارد"، ومؤسسة "بيل وميليندا جيتس"، الذين أطلقوا مجتمعين مبادرة المسرع العلاجي بقيمة 125 مليون دولار لتحديد العلاجات المحتملة للفيروس، والتعجيل بتطويرها، لكن لا يزال العالم ينتظر من صناديق أخرى عملاقة مبادرات مماثلة بما يدعم تطوير اللقاحات وإدارتها، فلا تزال هناك فجوة كبيرة في التمويل.           

إنشرها