الاتجاهات الحديثة .. في إدارة المؤسسات الصحية

|


تعاني "الإدارة" في المؤسسات الصحية ــ في كل دول العالم وبالذات في الدول النامية ــ مشكلات هائلة حتى نكاد نسلم بفشل كثير من خطط التنمية في مجالات الرعاية الصحية.
ولذلك، ونحن نتابع مشاريع التنمية في دول كثيرة نقف على تعثر مستمر في تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية في مجالات الرعايا الصحية المختلفة.
كذلك نلاحظ أن الفساد الإداري والمالي الذي تعانيه كل دول العالم ينتشر في أوصال المؤسسات الصحية أكثر من أي مؤسسات إدارية أخرى.
وإذا بحثنا عن أسباب تفشي أمراض الفساد الإداري في المؤسسات الصحية، نلاحظ أن السبب الرئيس هو غياب الدراسات العلمية التي تحدد الأسباب وتقترح سبل العلاج والخلاص بأسلوب علمي موضوعي.
ولا شك أن التصدي لمشكلات الإدارة في المؤسسات الصحية بالدراسات والبحوث العلمية يعد من العوامل المهمة التي تشخص المشكلة وتقترح سبل علاجها، لتصل في النهاية إلى تخفيف تبعات الفساد الإداري في المؤسسات الصحية. ومنذ أيام تسلمت من المستشار الدكتور عادل محمد صالح ملا ــ وهو خبير في الأنظمة الإدارية وخصخصة المستشفيات ــ كتابه القيم الموسوم باسم "الاتجاهات الحديثة في الإدارة الصحية والمستشفيات".
يستعرض الكتاب مجموعة من المفاهيم الحديثة في الإدارة الصحية، وقام مشكورا بدراسات تطبيقية على خصخصة وإصلاح النظام الصحي في المملكة.
وبعد قراءة فاحصة فإنني أوصي المعنيين في القطاع الصحي بضرورة قراءة واقتناء هذا المرجع التطبيقي المهم، والكتاب في عمومه يطرح مشروع خصخصة وإصلاح النظام الصحي في المملكة قيد البحث العلمي الجاد والدراسة التطبيقية.
والواقع أن خصخصة المستشفيات الحكومية هو المشروع العتيد الذي تتبناه حاليا وزارة الصحة، وتعكف على استكمال دراسته النهائية حتى يدخل مرحلة التنفيذ قريبا، وفي هذه الأيام نقرأ ونسمع أخبارا متواترة عن قرب إقرار تنفيذ مشروع خصخصة المستشفيات الحكومية.
هذا يعني أن كتاب الاتجاهات الحديثة في الإدارة الصحية والمستشفيات جاء في الوقت المناسب، يقول الدكتور عادل ملا: إن الفرق الرئيس بين الدول المتقدمة والدول النامية في إدارة المستشفيات الحديثة لا يرجع فقط إلى الموارد المالية والبشرية، وإنما يرجع في الأساس إلى كيفية تنظيم وإدارة هذه المستشفيات بالشكل الذي يحقق الأهداف المرجوة بأقل تكلفة ممكنة وبأداء عالي الفاعلية، ولذلك ظهر علم الإدارة الصحية والمستشفيات كعلم من العلوم الإدارية المهمة التي تساعد على تطوير أداء الخدمات الصحية بأقل تكلفة ممكنة وأعلى جودة، ويؤكد الدكتور عادل ملا أن بعض المنظمات الصحية العالمية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية تولي اهتماما بالغا بـ"إدارة المستشفيات" باعتبارها علما متطورا يسهم بفاعلية في تحقيق الجودة والإنجاز، وأيضا تحقيق الربحية للمستشفيات، ويضيف الدكتور ملا قائلا: إن المكتبة العربية ما زالت تعاني فقرا ونقصا في مجال الإدارة الصحية، وحينما استشعرت ذلك عكفت على تأليف وإصدار هذا الكتاب، ولأهمية التطبيق الذي تفرضه طبيعة إدارة المستشفيات فقد حرصت على دعم الكتاب بدراسة تطبيقية على المستشفيات السعودية، وصولا إلى تطبيق مشاريع خصخصة المستشفيات في المملكة. وفي استعراض شيق للكيانات الصحية التي ظهرت لأول مرة في الحياة البشرية قال الدكتور عادل ملا إن الأماكن الصحية بدأ ظهورها منذ "1200" عام قبل الميلاد ضمن فعاليات الحضارة الإغريقية، وأنا أزعم أن الكيانات الصحية بدأت ظهورها في الحياة البشرية ضمن منظومة الحضارة الفرعونية قبل الحضارة الإغريقية، وفي المعابد الفرعونية يوجد كثير من النقوش والبراهين الماثلة التي تؤكد أن الطب البشري كان موجودا في حياة الفراعنة وبأشكال تدعو إلى التقدير والإعجاب. ولكن أهم ما يجب أن نشير إليه هو أن الإغريقيين كانوا مهرة في تشخيص الأمراض بالملاحظة والاستنتاج واستخدام المنطق في تفسير أسباب الأمراض بدلا من التفسيرات التي تعتمد على الشعوذة والخرافات.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن العصر الإسلامي النبوي شهد تقدما ملحوظا في الطب، وفي هذا العصر ظهر ما يعرف حديثا باسم «الطب النبوي» الذي ما زال يمارس ويطبق حتى عصرنا الحاضر.
ويلخص الدكتور عادل ملا الأسباب التي تقوم عليها دراسته لخصخصة المستشفيات في المملكة في أسباب موضوعية تتمثل في ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية بشكل كبير مع توقعات أن يصل عدد سكان المملكة في عام 2030 إلى ما يقارب الـ40 مليون نسمة تقريبا، وإذا تحققت هذه الزيادة المقدرة في عدد السكان، فإن الدكتور عادل ملا يتوقع أن تزيد ميزانية وزارة الصحة إلى ثلاثة أضعاف حتى تستطيع أن تحقق الأهداف المنشودة لصحة وعافية الإنسان السعودي. ويؤكد الدكتور عادل ملا في مشروعه عن خصخصة المستشفيات الحكومية أنه مشروع لا مفر منه لأسباب موضوعية يأتي في مقدمتها ارتفاع تكاليف الخدمات الصحية بشكل كبير مع تدني مستوى الخدمة الصحية.
كذلك فإن المستشفيات الحكومية بدأت في الآونة الأخيرة تعاني تسرب الكفاءات الطبية من الأطباء المتخصصين والاستشاريين ما أدى إلى انخفاض الجودة في الرعاية الصحية. واستطرد الدكتور عادل ملا في توضيحه لأهمية خصخصة المستشفيات وقال إن الخصخصة ستؤدي إلى تحسين الخدمات الصحية، وإلى التوفير في ميزانية الدولة، كذلك تؤدي الخصخصة إلى توسيع قاعدة الاستثمارات، والارتفاع بمعايير الجودة في تقديم الخدمات الطبية.
لهذه الأسباب وغيرها التي نوه عنها الدكتور عادل ملا أرجو أن تكون "الإدارة الصحية" مقررا علميا في أجندة المقررات العلمية المعتمدة في مؤسساتنا التعليمية، لأن الوقت قد حان كي نعطي هذا الحقل العلمي حقه من الاهتمام والتدريس.

إنشرها