العبودية موجودة في الشقوق المظلمة للاقتصاد العالمي «1 من 3»

|


رغم أن القانون يحظر العبودية في كل مكان تقريبا، إلا أنها لا تزال موجودة في الشقوق المظلمة للاقتصاد العالمي، لم تتمكن آنا من العثور على عمل في بلدتها لمدة أعوام. وعرض عليها شخص تبدو عليه إمارات العطف وظيفة في مزرعة للفطر في الخارج. وما كان على آنا سوى اقتراض بعض المال، ودفع بعض الرسوم، وتسليمه جواز سفرها. وهو يتولى بقية الأمور. وتركت آنا أسرتها وأصدقاءها، لتجد نفسها تعمل في ظروف عصيبة في المزرعة. وكان يتم ترويعها والاعتداء عليها جسديا. وكان رب العمل يحتجز أجورها، بدعوى أنها مدينة له بأموال.
وذات يوم، دهمت الشرطة المزرعة. وألقت القبض على جميع العاملين وأودعتهم قيد الحجز لحيازة جوازات سفر مزورة وعدم وجود تصاريح عمل لديهم. وأدركت الشرطة أن آنا كانت ضحية للاتجار بالأشخاص ولذلك خيروها بين أمرين: إما أن توجه اتهامات أو تذهب إلى السجن. إلا أن المتاجرين بالبشر هددوها بإيذاء أسرتها في وطنها. ولم يكن لديها مال لتوكيل محام، وادعى محامو المتاجرين بالبشر أنها تكذب وأنها انتهكت القانون. ولم يجد القاضي أدلة كافية لتوجيه اتهامات للمهربين. وأبلغت آنا بأن عليها أن تغادر البلد. ونظرا لأنها لم تكن قادرة على سداد المال الذي اقترضته للسفر إلى الخارج، بقيت في البلد بصورة غير مشروعة وعثرت على عمل كعاملة منزلية. وكان رب العمل الجديد يستغلها أيضا لكنها كانت تخشى الذهاب إلى الشرطة، ووقعت في الشرك.
هذه القصة الحقيقية عن آنا، المنشورة في الموقع الإلكتروني لمنظمة لاسترادا إنترناشيونال La Strada International وهي منظمة غير حكومية، تسرد أيضا ما الذي كان ينبغي أن يحدث لكن لم يحدث، ليست مع الأسف القصة الوحيدة. إنها قصة التهديدات واستخدام القوة، والخداع والاستغلال، وصعوبة تحديد الهوية، والتعرض المتكرر للأذى. هذا هو الاتجار بالبشر، شكل من أشكال العبودية يحدث في القرن الـ21. وآنا ليست وحدها، بل إنها واحدة من عدة ملايين من الأشخاص الذي يقعون ضحايا الاتجار بالبشر في مختلف أنحاء العالم، لأغراض جنسية وأغراض العمل وغير ذلك من الأغراض. وليس من السهل جمع البيانات عن نشاط هو في جوهره نشاط إجرامي سري، ولذلك فإن الأرقام الرسمية عن الضحايا الذين تم التعرف عليهم ليست في الأغلب سوى غيض من فيض.
ويتزايد عدد ضحايا الاتجار بالبشر يوما بعد يوم. فقدرت منظمة العمل الدولية عدد الأشخاص الذين وقعوا ضحايا للسخرة والاستغلال الجنسي بنحو 20.9 مليون شخص. وأخيرا، نشرت مؤسسة ووك فري Walk Free Foundation ، في مؤشرها العالمي للعبودية تقديرات جديدة للعبودية الحديثة، رفع العدد إلى 35.8 مليون شخص. وتتزايد أيضا الحصيلة غير القانونية التي يولدها الاتجار بالبشر، ما يجعل هذا النشاط واحدا من الأنشطة الإجرامية الأكثر ربحية.
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن الأرباح غير المشروعة للسخرة تبلغ 150 مليار دولار سنويا "بيانات عام 2014" وتبلغ هذه الأرباح أعلى مستوى لها في آسيا 51.8 مليار دولار والاقتصادات المتقدمة خارج آسيا 46.9 مليار دولار.
ويتحكم قانون العرض والطلب في علم الاقتصاد بالمتاجرين بالبشر. وعلى الرغم من عدم وجود نمط ثابت فإن ما يحدث عموما هو أنه يتم إرسال الضحايا إلى وجهات يكون فيها الطلب أعلى على العمل منخفض أو عديم التكاليف أو على الاستغلال الجنسي. وعادة ما يتم إغراء الضحايا بالدخول في شبكة الاتجار بالخداع وبوعود بحياة أفضل. ولذلك فإنهم يأتون في الأغلب من بلدان ذات أوضاع اقتصادية ضعيفة، بما في ذلك البطالة المرتفعة.
ومكافحة الاتجار بالبشر ضرورة أخلاقية بقدر ما هي ضرورة اقتصادية. فهي ضرورة أخلاقية لأن المتاجرين بالبشر يعاملون الأشخاص كأنهم سلع أولية يمكن التصرف فيها ويرتكبون أسوأ أشكال انتهاكات حقوق الإنسان. وهي أيضا ضرورة اقتصادية لأن استخدام الأشخاص المتاجر بهم للعمل على مدار الساعة مقابل أجور ضعيفة أو بلا أجر يكبح المنافسة العادلة. وغالبا ما يتم غسل أو دمج الحصيلة غير القانونية الكبيرة التي يولدها الاتجار بالبشر بهالة من القانونية في الاقتصاد المشروع ما قد يهدد الاستقرارين المالي والاقتصادي.
يفرض منع الاتجار بالبشر ومكافحته، وتحديد الضحايا وتوفير الحماية لهم عديدا من التحديات، من بينها ما يلي:
• عدم معرفة الضحايا إلى من يلجأون وتدابير الحماية المتاحة.
• خوف الضحايا من السلطات العامة وعدم ثقتهم بها، وهو ما يمنعهم من محاولة الوصول إليها والتماس المساعدة.
• الصعوبة التي تواجهها السلطات في التمييز بين المهاجرين المهربين وضحايا الاتجار. فالفئة الأولى توافق على تهريبها وتنتهي رحلتها في بلد آخر؛ أما الأخيرة فإنها إما لم توافق قط، أو كانت موافقتها عديمة المعنى بالنظر إلى كذب الوعود والمعلومات.
• الصعوبات أثناء مرحلة الدعوى القضائية على سبيل المثال: صعوبة جمع الأدلة وتأمين التعاون الدولي الفعال.

إنشرها