المستفيد الأول من سياسات «أوبك»

تأسست منظمة الدول المصدرة للنفط ''أوبك'' في عام 1960، وذلك لحماية مصالح الدول المصدرة للنفط التي تعتمد على النفط كمصدر رئيس للصادرات والإيرادات الحكومية. وقد جاء تأسيس المنظمة بعد تراجع أسعار النفط الخام إلى مستويات متدنية جداً في نهاية الخمسينيات. ولم تجابه ''أوبك'' في البداية معارضة تذكر من أي طرف، وذلك لتدني أسعار النفط في ذلك الوقت وتوافره في الأسواق العالمية وشدة المنافسة بين الدول المصدرة. وتلمح بعض المصادر إلى احتمال وقوف أو دعم أو على الأقل تغاضي الولايات المتحدة عن قضية تأسيس منظمة أوبك في ذلك الوقت، وكانت الولايات المتحدة تصدر النفط الخام ومنتجاته، كما كانت ''وما زالت'' شركات النفط الرئيسة الكبرى في العالم شركات أمريكية تسهم في الاقتصاد الأمريكي بقوة وترتفع أرباحها مع ارتفاع أسعار النفط. وقد تصاعدت أرباح هذه الشركات بعد الزيادات الكبيرة في الأسعار عام 1973 ما حدا ببعض الدول لفرض ضرائب استثنائية على تلك الشركات.
وتوهج بريق منظمة أوبك بعد ارتفاع أسعار النفط في عام 1973 وارتفاع حصة أعضائها في تجارة النفط العالمية. ومثل رفع أسعار النفط وتدفق إيراداته للدول العربية مادة دسمة لأعداء العرب في الغرب. وشيطن الإعلام الغربي الذي تسيطر عليه التوجهات الصهيونية المنظمة وصورها كوحش يقف وراء معظم المعضلات الغربية الاقتصادية. ومع كل هذا لم تقم الحكومات الغربية بضغوط حقيقية لإلغاء ألمنظمة، بل غضت الطرف عنها. وقد تمكنت ''أوبك'' من توفير قدر من الاستقرار في إمدادات النفط كما حاولت قدر المستطاع حماية الأسعار، ونجحت في كثير من الأحيان ولكنها فشلت في أحيان أخرى. وعلى العموم فمن المرجح أن المنظمة نجحت في دعم رفع الأسعار على الأمد الطويل. وساعد هذا الدعم الدول المنتجة الأعضاء وغير الأعضاء على ضخ استثمارات هائلة في المجالات النفطية والطاقة بشكل عام. وتقود أسعار النفط أسعار الوقود الأخرى خصوصاً الغاز الطبيعي، ويدعم رفع أسعار النفط ارتفاع أسعار منتجات الطاقة الأخرى. وتستفيد الدول الكبرى المنتجة للطاقة خارج المنظمة من دفاع المنظمة عن أسعار النفط وتحمُل أعضائها كافة تكاليف تلك المهمة، وبهذا لا تتحمل الدول المنتجة للطاقة غير الأعضاء أي تكاليف للدفاع عن الأسعار وتجني ثمار نجاح سياسات ''أوبك'' دون دفع أي ثمن. ويزيد ارتفاع أسعار النفط أسعار منتجات الطاقة الأخرى، ما يعني المزيد من الدخول والأرباح والاستثمار في منتجات الطاقة وهذا يدعم النمو والتنمية الاقتصادية في الدول المنتجة. كما أن ارتفاع أسعار النفط ومنتجات الطاقة الأحفورية ــــ الذي تسببت ''أوبك'' ولو بشكل جزئي في إحداثه ــــ يشجع على إحلال بدائل الطاقة الأخرى. ويشجع ارتفاع أسعار الطاقة أيضاً خفض استهلاك الطاقة بوجه عام، وهذا يفسر التراجع الكبير في معدلات كثافة استهلاك الطاقة في دول منظمة التعاون والتنمية خلال العقود الثلاثة الماضية. وإضافة إلى ذلك يساعد رفع أسعار الطاقة على حماية البيئة، حيث يخفض رفع الأسعار من استهلاكها ما يقلل من مخاطرها على البيئة، ولذا يساند مؤيدو حماية البيئة أو الخضر ضرورة رفع الأسعار وفرض المزيد من الضرائب على منتجات الطاقة للحد من استخداماتها.
وتعتبر الولايات المتحدة أكبر منتج للطاقة وثاني مستهلك لها في العالم، وتسيطر شركاتها على أكبر الحصص في مجالات إنتاج وتسويق ومعدات وتقنيات الطاقة. وتمثل القيمة المضافة للطاقة ومنتجاتها نحو 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي. وتفوق القيمة المضافة للطاقة في الولايات المتحدة الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بفارق كبير، وذلك على الرغم من كون المملكة أكبر منتجي النفط في منظمة أوبك وأكبر مصدر له في العالم. وساعد دفاع منظمة أوبك عن الأسعار الولايات المتحدة على تعزيز إنتاجها من النفط والغاز الصخري، وأصبحت أخيرا أكبر منتج للسوائل في العالم ''السوائل هي مجموع النفط الخام وسوائل الغاز الطبيعي''. ودعم إنتاج النفط والغاز الصخري الاقتصاد الأمريكي ومكنه من تحقيق أكبر معدلات نمو في العالم المتقدم خلال الأعوام القليلة الماضية، كما ساعد الاقتصاد الأمريكي على الخروج من تبعات الأزمة المالية العالمية. ولهذا تعتبر الولايات المتحدة أكبر مستفيد من سياسات أوبك، وخصوصاً بعد أن رفعت هذه السياسات أسعار النفط فوق مستويات التكلفة الحدية لإنتاج النفط الصخري. وقاد النمو القوي لإنتاج النفط والغاز الصخري النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. وإضافة إلى ذلك، تعتبر الشركات الأمريكية المنتجة للطاقة أكبر جان للأرباح من الطاقة، وتوفر الطاقة وظائف جيدة لملايين الأمريكيين. إن ما حدث في السنوات السابقة وما سيحدث مستقبلاً في أسواق الطاقة يدعم فكرة اعتبار الولايات المتحدة أكبر مستفيد منها، بل قد تكون العضو الداعم غير الرسمي لمنظمة أوبك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي