الاستيطان الإسرائيلي ونظام المحكمة الجنائية الدولية (2)

|
استكمالاً لموضوع المقال السابق، نشير إلى أن تزايد مشروعات الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، خصوصاً حول مدينة القدس، دفع الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى التلويح بحل السلطة الوطنية الفلسطينية وتسليم (مفاتيح الضفة الغربية) لإسرائيل في حال لم توقف إسرائيل بناء المستوطنات ولم يحصل تقدم على صعيد مفاوضات السلام بعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في 22 كانون الثاني (يناير) 2013. ويبدو أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أراد أن يقول إن حل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على أساس قيام دولتين في فلسطين، إحداهما عربية والأخرى إسرائيلية، أوشك على الوصول إلى طريق مسدود، وإنه لا مناص من قيام دولة واحدة ذات قومية ثنائية تشمل العرب واليهود. وفي هذه الحالة يتعين أن يتساوى جميع مواطني هذه الدولة في الحقوق والواجبات من دون أي تمييز بينهم على أساس ديني أو عرقي طبقاً لما تقضي به مبادئ الديمقراطية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. والواقع أن الحل القائم على أساس مشروع الدولة الواحدة فكرة قديمة سبق أن تبنتها منظمة التحرير الفلسطينية تحت مفهوم (الدولة الديمقراطية) التي تضم العرب واليهود، كما طالب بتطبيقها الرئيس الليبي الهالك معمر القذافي واقترح أن يطلق على هذه الدولة اسم (إسراطين). ويرفض قادة إسرائيل هذه الفكرة رفضاً مطلقاً لأنها تتعارض مع عقيدتهم الصهيونية العنصرية التي تهدف إلى أن تكون إسرائيل دولة خالصة لليهود. من جهة أخرى، استنكر موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة (حماس) تهديد محمود عباس بحل السلطة الفلسطينية وتسليمها لإسرائيل، وقال إن الأفضل تسليمها لـ "حماس" لنجاحها في الصمود في وجه الحصار والعدوان الإسرائيلي. وانتقدت حركة (فتح) بشدة تصريح أبو مرزوق الذي فسرته بأنه يعني القبول بحكم الضفة الغربية في ظل استمرار الاستيطان الإسرائيلي وفي ظل الأوضاع التي لن تقود إلا إلى دولة ذات حدود مؤقتة ومن دون القدس. ويبدو أن محاولة للبحث عن حل آخر قد بدأت، حيث تداولت بعض وسائل الإعلام أن عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقدا اجتماعاً سرياً في الأردن تناولا فيه بالبحث قيام اتحاد (كونفدرالي) أردني – فلسطيني، وأنه لم يتم التوصل في هذا الاجتماع إلى صيغ مقبولة حول هذا الموضوع وإن من المحتمل عقد اجتماعات سرية أخرى خلال الأيام القليلة المقبلة. وأفاد موقع (ديك دبيكا) الإسرائيلي المقرب من مصادر الاستخبارات الإسرائيلية أن من شأن اعتراف إسرائيل بالاتحاد الكونفدرالي أن يعفيها من إشكالية الاعتراف المباشر بالدولة الفلسطينية، إذ يمكن لإسرائيل أن تبارك هذا الاتحاد وتعرب عن نيتها التعاون معه ميدانياً وإن هذا التعاون يمكن أن ينفذ من خلال الأردن أو أي طرف عربي أو إسلامي يؤيد ويتعاون مع هذه الفكرة. ومهما يكن من أمر هذه المحاولات، فإن الاستيطان الإسرائيلي المتزايد حول القدس وفي الضفة الغربية أمر خطير وتتفاقم أضراره يوماً بعد يوم، ولا بد من اتخاذ الإجراءات والتدابير العاجلة لمواجهته، وهنا يثور التساؤل: هل إذا انضمت فلسطين، التي أصبحت دولة معترف بها من قبل الأمم المتحدة، إلى اتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية تستطيع أن تطلب تحريك الدعوى الجنائية ضد قادة إسرائيل أمام هذه المحكمة لاستمرارهم في سياسة الاستيطان في الأراضي المحتلة على أساس أن الاستيطان في الأراضي المحتلة يعد جريمة من جرائم الحرب المنصوص عليها في نظام هذه المحكمة؟ للإجابة عن هذا التساؤل نقول إنه باستقراء المواد المتعلقة بالاختصاص الواردة في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يمكن القول بإيجاز إنه يشترط لرفع الدعوى أمامها ما يلي: 1- يجب أن تقام الدعوى من قِبل دولة طرف في النظام الأساسي للمحكمة. 2- يجب أن تكون الدولة التي يكون المتهم بارتكاب الجريمة أحد رعاياها طرفاً في هذا النظام أو قبلت باختصاص المحكمة. وحيث إن إسرائيل ليست طرفاً في اتفاقية إنشاء المحكمة فلا يمكن لدولة فلسطين إذا انضمت إلى هذه الاتفاقية أن تقيم الدعوى ضد قادة إسرائيل، بيد أنه يمكن بموجب الفقرة (ب) من المادة 13 من النظام الأساسي للمحكمة إحالة القضية إلى هذه المحكمة بقرار يصدره مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا ما فعله المجلس بشأن قضية دارفور، حيث أحالها إلى المحكمة على الرغم من أن السودان ليس طرفاً في النظام الأساسي لهذه المحكمة. ولو تقدمت دولة فلسطين إلى مجلس الأمن بطلب إحالة مجرمي الحرب الإسرائيليين إلى المحكمة الجنائية الدولية، فإن الاحتمال الأرجح أن تستخدم الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) كدأبها في معظم القضايا والشؤون التي تتعلق بإسرائيل، ما يجعل مجلس الأمن عاجزاً عن اتخاذ قرار في هذا الشأن. وإذا عجز مجلس الأمن عن اتخاذ قرار في هذا الشأن بسبب (الفيتو) الأمريكي فإنه يتعين حينئذ اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة استناداً إلى المبدأ المعروف باسم (الاتحاد من أجل السلام)، ومعناه أنه إذا تعذر على مجلس الأمن اتخاذ قرار لمواجهة موقف يهدد الأمن والسلم الدوليين فمن الممكن اللجوء إلى الجمعية العامة لاستصدار القرار. لا شك أن استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة يعد موقفاً يهدد الأمن والسلم الدوليين في منطقة الشرق الأوسط ويحول دون إقامة الدولة الفلسطينية التي دعا مجلس الأمن إلى إقامتها بموجب قراره رقم 1397 وتاريخ 13/3/2002، فضلاً عن أن الاستيطان يعد جريمة من جرائم الحرب طبقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية.
إنشرها