Author

إمبراطورية القراصنة!

|
في عام 2003 عرضت شاشة القناة الرابعة البريطانية وللمرة الأولى الوثائقي الضخم "إمبراطورية – Empire" المقتبس عن كتاب يحمل العنوان نفسه من تأليف المؤرخ البريطاني وأستاذ جامعة هارفارد نيال فيرجسون. فيرجسون الذي يقدم البرنامج يعرض في ست حلقات تاريخ الإمبراطورية البريطانية منذ بداية اتساعها وحتى انحسارها، وكيف تركت الأثر الذي نراه في العالم الحديث. يتناول البرنامج الحكاية بسلبياتها وإيجابياتها، مستندا إلى المادة التي كتبها نيال في كتابه ومستعينا بالمحتوى الأرشيفي الغنيّ من أفلام الفيديو والوثائق والشهادات المتعددة حول تلك الفترة من التاريخ. كونه من أشهر المؤرخين وأكثرهم إثارة للجدل في الغرب حرص نيال فيرجسون على منح القارئ - ومشاهد الوثائقي كذلك - جرعة عميقة وشاملة لمائتي عام في أربعمائة صفحة - ست ساعات تقريبا من المشاهدة -. من خلال هذا الطرح لا ينفي عن الإمبراطورية الأذى الذي سببته والفوضى العارمة التي زرعتها في كل مكان وجد فيه الإنجليز موطئ قدم! يعرض كل ذلك وبالمقابل يلقي بالضوء على ما يستحق الشكر والتأمل من الإنجازات التي خدمت الإنسانية، ولعلّ أهمها خلال 400 سنة الماضية "اللغة الإنجليزية"، بالإضافة للبرلمانات بشكلها الحالي وطبعا كرة القدم واتحاداتها. يقسم الكتاب على ستة فصول، تعكسها حلقات الوثائقي وتبدأ بالتساؤل "لماذا بريطانيا؟"، وفيه يطرح الكاتب أهمية بريطانيا مع بدء الفكرة لتأسيس الإمبراطورية التي لم تكن سوى فكرة طارئة عشوائية جدا. إذ ولدت الفكرة في الكاريبي بعد نجاح مجموعة من القراصنة في شنّ حملات منظمة على المستعمرات الأوروبية وضربها في مقتل. وانتقل الشغف بالانتصار لتحويل عمليات القرصنة هذه إلى حملات تجارية ثم عسكرية باتجاه مناطق أخرى في العالم، ومن بينها الهند التي شكلت لاحقا العمود الفقري للتوسع الإمبراطوري وفيها اقتتل الإنجليز مع الهولنديين والفرنسيين للفوز بالسلطة. في الفصل الثاني ينتقل الحديث لما يسميه الكاتب "الطاعون الأبيض" أو الهجرة المنظمة للإنجليز باتجاه مناطق جديدة، مستعمرات حول الأرض يبنونها ويستقرون وسط القارات المختلفة. أمريكا وأستراليا وجزر الكاريبي والستر الإيرلندية المستعمرة البريطانية الأولى! أيضا يناقش هذا الجزء العبودية وتجارة الرقيق بين إفريقيا وأمريكا وحرب الاستقلال الأمريكية للانفصال عن حكم الإمبراطورية. هذا التدرج الذي يتبعه المؤلف كفيل بجعل الكتاب متعة لهواة قراءة التاريخ، لا يكاد ينتهي من صفحة حتى ينتقل سريعا للأخرى مع كمّ كبير من التفاصيل والروايات المختلفة من ساسة ذلك العصر حتى فنانوه وأدباؤه كلّ منهم يروي من وجهة نظره حالة الإمبراطورية الوليدة آنذاك. في الفصل الثالث ينتقل فيرجسون للحديث عن حركات التبشير التي كانت سلاح التوسع الإمبراطوري، وبينما نجحت بتعثر وببطء في إفريقيا "البربرية" كما يسميها المستكشفون والمبشرون، إلا أنها فشلت في الهند في مواجهة حضارة لا تشكو من انعدام الروحانية؛ وكان المسلمون هناك والهندوس بمثابة عقبة صعبة التجاوز للمبشرين، وكانت العملية كارثية أحيانا! يرى المؤلف - ومقدم الوثائقي - أن الإمبراطورية البريطانية كانت في حاجة إلى تدعيم موقعها في المناطق المستعمرة بتقديم أسلوب الحياة الإنجليزية للسكان، تقديم التعليم والتقنية والخدمات للسكان لتحويل ولائهم تدريجيا للتاج البريطاني وبأقل مقاومة. وكان أن انتقل الكثير من ارستقراطيي بريطانيا للهند على سبيل المثال ونقلوا معهم أبراجهم العاجية ووضعوها هناك؛ لتحجب آمال سكان البلاد الأصليين وتعيقهم عن تحقيق آمالهم في العيش الأفضل والتحول للمدنية التي وعدوا بها. هذه التفاصيل تظهر في الفصل الرابع وتناقش تخلخل سيطرة الإمبراطورية عندما يصل سكان المناطق المستعمرة إلى مناصب عليا بعد حصولهم على التعليم والثقافة اللازمة للوقوف في وجه الدخلاء. يتبع هذا الوصول أعمال عنف وفوضى وقتل تدفع الإمبراطورية لإعادة النظر في الدور الذي تقوم به وكيف يستتب الأمن في تلك المناطق بأقل الخسائر. الكتاب - والوثائقي مرآته - ينقل لنا حقائق نعرفها للمرة الأولى، ففي إفريقيا وبحلول منتصف القرن التاسع عشر تحولت القارة التي احتفظت فيها عشرة آلاف قبيلة بحكم مستقل إلى 40 مستعمرة أوروبية. والتقمت الإمبراطورية البريطانية ما إجماليه نصف القارة، فيما اعتبر آنذاك أكبر عملية إعادة رسم خريطة في التاريخ! يتناول الفصل الخامس القوة الحربية والأسلحة التي دعمتها، مفرِدا شريحة كبيرة من التفاصيل للحديث حول رشاش ماكسيم الذي منح الجيش البريطاني القوة القصوى وخلّف آلاف القتلى وسحق كل تمرد وليد منذ اختراعه في عام 1884م. يختم فيرجسون رحلته الرائعة بالحديث عن أسباب انهيار الإمبراطورية، ويبدأ بالحديث عن المكاسب التي أصبحت أقل بكثير من الديون التي تكدست على خزينة بريطانيا بسبب الحروب والقمع وانقطاع الطرق التجارية التي كانت لها بمثابة شريان الحياة. تلك الحروب التي بدأت من الداخل بتمرد الإيرلنديين ورغبتهم بالانفصال وامتدت لحربين عالميتين استنفدت المال والأرواح، وضاعفت الدين حتى عشر مرات حجمه ليصل مع منتصف القرن العشرين إلى 40 بليون دولار! ما أدى بالإمبراطورية إلى اللجوء إلى التحالفات الشهيرة مع أمريكا الديمقراطية وغيرها للخروج من المأزق. وثائقي "إمبراطورية – Empire" ينتهي بزرع ملاحظة صغيرة ذات أثر كبير على المشاهد ويذكر بأن الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تمارس ذات مدّ النفوذ بأسلحة جديدة تفوق رشاش ماكسيم وكرة القدم أثرا وقوة وأنّ مسار المد الاستعماري الذي شاهدناه لست ساعات وعلى مدى 400 صفحة يُسقط على واقعنا بلا شك.
إنشرها