المذبحة

روّعت الشاعر الراحل أمل دنقل مذبحة قبل 40 عاما فقال عنها في قصيدته "الكعكة الحجرية":
أيها الواقفون على حافة المذبحة
أشهروا الأسلحة
سقط الموت؛ وانفرط القلب كالمسبحة
والدم انساب فوق الوشاح!
المنازل أضرحة
والزنازن أضرحة
والمدى أضرحة
فارفعوا الأسلحة
واتبعوني
أنا ندم الغد والبارحة
رايتي: عظمتان وجمجمة
وشعاري الصباح

قبله بنصف قرن روعت الشاعر أحمد شوقي، مذبحة قام بها المستعمر آنذاك في سورية فقال:
سلام من صبا بردى أرق
ودمع لا يكفكف يا دمشق
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدق
كثيرون شاهدوا جنود بشار الغلاظ وهم يركلون مواطناً على الأرض وينكلون به ويسبونه بالعمالة لإسرائيل والحرية (!!) ثم يصعدون على جسده المهشم صفاً شابكين أذرعهم حول بعض لالتقاط صورة تذكارية للخزي!!
في مشهد آخر، كهل سوري يذيقه غلاظ آخرون صنوف العذاب صفعاً وركلاً ودوساً غير عابئين بشيخوخته وهو يتلوى من الوجع بأنات تذيب قلب الحجر.
في مشهد ثالث، صبي اسمه حمزة الخطيب خرم جسده الرصاص ومزقت سياط الجلادين مسامات جلده وكسرت رقبته ومثلت به بوحشية ووضاعة لا تعبر إلا عن أوغاد متمرغين في حمأة الرذيلة وقاع السفالة وإلا كيف امتدت أياديهم النجسة للمنطقة الحساسة من الجسد الطاهر البريء وبترت عضوه الذكري؟! لكن حمزة أيقونة زوالهم!!
مع حمزة الخطيب كانت الطفلة هاجر الخطيب وأطفال درعا وأطفال آخرون، شيب وشباب، عجائز يمتهن وشابات يغتصبن من دمشق إلى اللاذقية، من حلب إلى حماة، حمص، درعا، دير الزور، جسر الشغور، إلى كل ركن في مدينة وقرية .. زبانية يدوسون بجزماتهم ويمزقون بكعوب وفوهات بنادقهم قلب العروبة النابض. مذبحة جهنمية آلة قمعها الرهيبة القنابل، الدبابات، المدافع، الرشاشات والمجنزرات، المسلخ صار الوطن أناس فوق أناس جثث على أسفلت الشوارع أو مكومة في شاحنات يقذف بها في غياهب الزنازين ليكمل الجلادون الفرم والطحن!!
العالم يسمع، العالم يرى، الأبدان تقشعر، يقف شعر الرأس، يصاب الضمير بأزمة والقلب بذبحة صدرية، تصرخ الدول، الهيئات والمنظمات العالمية، إنما أولئك المسوخ بلا سمع، بلا بصر، بلا ضمائر، بلا أي عصب حساس، ماضون في مغالطة الدنيا كلها في أن مذبحتهم مجرد دفاع عن النفس ضد عصابات مسلحة، ضد مندسين لا يراهم، لا يسمعهم، لا يعرفهم أحد إلا هم، لا جهة، لا وجه، لا صوت ولا اسم .. طغاة سورية وحدهم يعرفونهم وعلينا أن نوافقهم وفوق ذلك كله أن نعتبر الحصار الإعلامي يكذب، الدم المسفوح يكذب، المقابر الجماعية تكذب، اللقطات المختلسة بالهواتف المحمولة تكذب، المظاهرات الليلية والنهارية تكذب، شهود العيان يكذبون، الهاربون لتركيا ولبنان يكذبون، الكل يكذب، حتى الكذب نفسه يكذب .. وقد بلغ جنون التكذيب حد تهديد وزير خارجية سورية وليد المعلم للأمين العام للأمم المتحدة بعدم إصدار قرار أممي يدين هذه الممارسات الوحشية، لكيلا يكون رسالة خاطئة للعصابات يشجعها على المضي في التخريب.. منطق ليس له إلا معنى واحد، أن بشار الأسد وزبانيته يضعون أنفسهم في كفة والعالم كله في كفة، هم الأخيار وغيرهم الأشرار .. ما يقولونه الحقيقة وكل ما يقال: هراء.. هراء!!
لكن .. ها هم السوريون في الساحات يتدافعون بكبرياء وبسالة يقفون ضد آلة قمع هذه المسوخ الوحشية، لتبقى سورية مثلما كانت قلب العروبة النابض وقد حان لها أن تكون!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي