حفظ العلاقات الاجتماعية.. أبعاد جديدة
أحاول بين الفينة الأخرى أن ألفت نظر القارئ الكريم لبعض النواحي البعيدة عن الاختصاص القضائي أو القانوني، وذلك لأمور أهمها التجديد في الطرح والتنويع في المقالات والبعد عن الجفاف القانوني، وأيضا ـــ وهذا المهم عندي ـــ أن كثيراً من الأبعاد الاجتماعية أو الاقتصادية أو الفقهية التنظيرية تؤثر على العمل القضائي من قريب أو بعيد، ولا يدرك هذا إلا من عمل داخل أروقة المحاكم أو احتك بها. فالرؤية الاجتماعية تؤثر في التفكير القضائي ابتداء، وتؤثر في ذهنية المترافعين .. والوازع الاجتماعي قد يردع بعض المتخاصمين عن الدخول في أمور تؤثر سلباً أو إيجاباً على علاقاتهم الاجتماعية، ولذلك كلما تطرقنا لبعض الأبعاد المؤثرة في الحياة اليومية أسهمنا في رفع الوعي العام المرتبط بالوعي الحقوقي والقضائي، وتشكل العلاقات الاجتماعية النمط العاطفي لقيام الكيان الاجتماعي، وسبباً من أسباب حفظ المجتمع لأنها تقوم على زيادة الترابط الاجتماعي ونبذ كل عناصر الفساد والخلل، وحتى يكون الحديث أكثر تأصيلاً يمكن القول إن حفظ العلاقات الاجتماعية يقوم بحفظ ثلاثة أنواع من الروابط الاجتماعية.
1 ـــ حفظ رابطة الأخوة العامة:
تنطلق هذه الرابطة من المعاني النفسية والعاطفية التي تربط بين مكونات المجتمع في كل أنواعه سواءً في الشمال أو الجنوب وغيره، وهذه الرابطة تزيد تماسكه ووحدته وهي الرابطة الحقيقية التي لا ينالها التحايل والغش والتلاعب، وقد تتمثل هذه الرابطة الاجتماعية في رابطة قرابة دموية أو في رابطة نسب تاريخي فيه اعتزاز بالماضي، أو في شعور مشترك بالعداوة لهذا العدو أو ذاك من الأعداء أو غير ذلك من الروابط العاطفية التي تجمع بين أفراد المجتمع ومكوناته المختلفة. والأمم والشعوب التي لا تربطها روابط عاطفية من أي نوع غالباً لا يكتب لها البقاء، كما لا يكون لها تقدم عمراني مذكور ـــ كما كتب لنا التاريخ، لأن الروابط العاطفية تعصم الجماعات والمجتمعات من الانحلال عندما تتضارب مصالحها، ولهذا جعل رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ هذه الرابطة نقطة الانطلاق لقيام العلاقة الاجتماعية في دولة المدينة، ويتمثل هذا بجلاء في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فقد كان أول ما ابتدأه ـــ صلى الله عليه وسلم ــــ في تأسيس المجتمع الجديد هو عقد الأخوة بين مكونات هذا المجتمع، وجاء التوجيه ببيان مقتضيات هذه الأخوة في قوله ــــ صلى الله عليه وسلم ـــ (لا تحاسَدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقِره، التقوى ها هنا ــــ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ــــ بحسْب امرئ من الشرّ أن يحقرَ أخاه المسلم، كلّ المسلم على المسلم حرام دمُه وماله وعرضه)، ولو تأملنا هذه المقتضيات وطبقت لصلح كثير من الأحوال.
2 ـــ حفظ بالميزان العدل:
من وسائل العلاقات الاجتماعية ذات الأهمية البالغة في حفظ المجتمع علاقة التعامل بالعدل بين جميع مكونات المجتمع من الأفراد والجماعات، والمقصود بالعدل أن يتساوى أفراد المجتمع في التعامل بينهم أو في معاملتهم من قبل غيرهم في النظرة والتعامل ووحدة الميزان في التقييم وفي المفاضلة والمساواة في الحقوق التي يحصل عليها كل فرد في المجتمع دون أن تمنح لبعض وتحجب عن بعض آخر، وثالثها المساواة في الواجبات التي يكلف بها كل فرد دون أن يُعفى منها بعض ويغرمها البعض الآخر.
وهذه الركيزة مهمةً في الكيانات الاجتماعية وفي القطاعات الحكومية، وكم سمعنا عن إسقاط الله أشخاصا ورثوا في النفوس الحقد والانتقام بسبب إحساس من تحتهم بالظلم، فسقطوا والله ـــ سبحانه ـــ بالمرصاد، وذلك هو ما أشار إليه ابن خلدون في ملاحظته الشهيرة بأن فشو الظلم في المجتمع مؤذن بخراب العمران.
وعلمتنا الحياة أن المظلوم يحفظ والظالم ينسى حتى مع مرور الأعوام، ولذا لا يبقى إلا الكراهية والانتقام لدى المظلوم, وقد تتغير الأمور في أي لحظة .. عندها ماذا بقي للظالم؟
3 ـــ حفظ المجتمع بعلاقة التكافل:
هذا العنصر الأخير واضح المعنى والدلالة، ومراعاة دائرة المجتمع لهذا الأمر واجب شمولي، حيث يلزم على المجتمع توفير حد الكفاية من الضروريات حفظاً للكرامة الإنسانية والمواساة عند الكروب. وهذه الدوائر الثلاث بها تكتمل منظومة العلاقات الاجتماعية، مما يعزز روح المحبة والأخوة ويبعد نوازع الحسد والبغضاء التي تفضي إلى الفرقة والتشتت؛ وذلك أحد معاني قوله ـــ صلى الله عليه وسلم ''المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا''.
إن الإشارة لهذه الأبعاد ما هو إلا قراءة جديدة لمعاني موجودة في الأساس، ولكن حاولنا ترتيبها بنظرة شمولية ذات أبعاد أعمق لعلها تكون خريطة طريق لمن أراد اتخاذ إجراءات إدارية أو رسم ملامح مستقبلية, وما أجمل أن تكون المعاني الاجتماعية حاضرة لدينا في القرارات الإدارية والإجراءات المساندة في العمل القضائي لأنها ستسهم من قريب أو بعيد في الجودة التي ينشدها المستفيد.
أسأل لي ولكم حياةً اجتماعية طيبةً كلها حب ووفاء وسعادة وهناء.