التطوير في منظومة الإدارة العليا
سيكون كلامنا اليوم عن التدريب لما نشهده من طفرة في صناعة التدريب هذه السنوات قد لا تتكرر مستقبلا؛ لتوافر العوامل والظروف المساعدة، سواء في الجانب المالي أو الإداري، لكننا سنتناول هذا الموضوع من جانب محدود قل التطرق إليه في عالم الصحافة أو في ورش التدريب والتطوير، وشجعني أكثر على كتابة هذا المقال أننا في بدايات العام المالي للأجهزة الحكومية والقطاع الخاص، وغالبا ما يتم رسم سياسات التدريب خلال هذه الفترة من كل عام، سواء كان ذلك من داخل المنظمة أو من خارجها. ومن أهم العوامل التي تضمن التطبيق الناجح لأي عملية تطوير ومنها إدارة الجودة الشاملة هو عامل دعم وتأييد الإدارة العليا، الذي ينبع من اقتناعها بضرورة التطوير والتحسين المستمر؛ إذ إن أفراد الإدارة العليا في المنظمة هم عامل التغيير الداخلي الأساسي، وباستطاعتهم تشكيل قيم المنظمة وإنشاء ما يمكن أن نطلق عليه البنية التحتية الإدارية لعملية التغيير المطلوبة، كما ذكر ذلك الدكتور فريد زين الدين في كتابه تطبيق إدارة الجودة الشاملة ص 19.
وكثيرا ما تفشل إدارات التدريب في المنظمات بسبب عدم الدعم الحقيقي لعملية التدريب، وذلك من خلال التقصير في وضع خطط فعلية بناء على تصور شامل من أشخاص غير مؤهلين للواقع، وكذلك فقدان التصور الشامل لأسلوب العمل في المنظمة واحتياجاتها.
ولقد وصلت برامج التدريب في أحدث نظرياتها إلى أن رجال الإدارة العليا والمديرين هم في أمس حاجة من غيرهم إلى المعلومات والمهارات التي هي أوسع مدى من الاحتياج التدريبي لبقية العاملين في المنظمة، والغريب أن كثيرا من القادة يكتفون بتدريب العاملين ويعتمدون عليهم في الإنتاجية دون معرفة جودة هذه الإنتاجية، ومعلوم أن القائد أو رجال الإدارة العليا لا يستطيعون تقييم مدى فاعلية الإنتاج إلا إذا كانوا أصحاب مهارة وكفاءة.
وانطلاقا من هذه المفاهيم يجب أن نقرر معلومة مهمة، أن نوعية البرامج التدريبية لرجال الإدارة العليا تختلف عن نوعية البرامج لبقية العاملين في المنظمة؛ ولذلك تفشل برامج التدريب عندما تكون البرامج ذات منهج واحد للجميع allohesizefits فرجال الإدارة العليا في حاجة إلى برامج تعنى بالخريطة الذهنية وكيفية الاستفادة منها، خاصة مع كثرة حجم العمل وقلة الوقت وتزاحم الأوليات في حياتهم اليومية. وأيضا برامج تعنى بالأنماط الشخصية وأساليب الدعم والمؤازرة واتخاذ القرارات وفرزها عن التأثيرات الواقعية المحيطة بشخصية متخذ القرار وبرامج تعنى بالأدوات العقلية والمقدرة على التحليل والربط بين الاستراتيجية للمنظمة في أهدافها البعيدة والأداء الفعلي لها وغيرها من البرامج القيادة والإدارية التي تخصص للقيادة العليا.
ومن أكبر الإشكالات التي تواجه تدريب القيادات العليا في المنظمة هي: من الذي سيتولى تدريب الرئيس الأعلى في المنظمة؟ وهل سيقبل هؤلاء المديرون أن يكون أحد مرؤوسيهم من المتخصصين مدربا وناقلا للمعرفة لهذه الفئة؟.. والغالب أن في هذا نوع من الحساسية ومثل هذا الشعور قد يفسد الثمرة من العملية التدريبية؛ لذلك تلجأ بعض المنظمات إلى استقطاب مدربين من خارج المنظمة تكون لديهم قدرة أكبر في التعامل مع رجال الإدارة العليا بفاعلية.
ومن أهم الوسائل التي تعزز مفاهيم التدريب والتطوير تخصيص رجال الإدارة العليا لمساحة زمنية كثيرة مع العاملين من كل الفئات، سواء في المركز الرئيس أو الفروع، وهذا الوقت يخصص ويستثمر النقاش فيه على المسائل والقضايا التي تجعلهم دائما على مقربة من المراجعين.
وكلما ترجم رجال الإدارة العليا الدعم والمؤازرة إلى واقع فعلي وليست شعارات إعلامية كان ذلك أوقع أثرا في نفوس العاملين، وكان هناك علاقة تكاملية بين إنجازات الأفراد وبين بناء المنظمة، وهذه العملية يصفها رجال الإدارة الذين بقي أثرهم في المنظمات حتى بعد رحيلهم بمبدأ عظيم، فهم يؤسسون لمبدأ (بناء الأفراد من خلال إنجاز المهام)، وهو مبدأ مختلف عن المبدأ والمستخدم في أكثر الأجهزة الحكومة اليوم وهو مبدأ (إنهاء المهام من خلال الأفراد).
إن تحقيق الثمرة العملية من التطوير والتدريب صعب المنال ما لم يصاحب ذلك إعادة هندسة هياكل القوة في الإدارة العليا من خلال تفويض السلطة لأصحاب الجدارة والكفاءة الفعلية ومن خلال ذلك تتغير معتقدات الإدارة العليا، وعلى أثر ذلك تتغير الهياكل التنظيمية لتصبح أداة للترابط العملي، ووسيلة للتشجيع والتجديد ويحصل التناسب بين تصميم الوظيفة وبين الموظف، ما يخلق شعورا لدى العاملين بالملكية في الإنجاز وهذا كله يجعل المنظمة أكثر مرونة وحيوية، ويجعل معدلات الإنجاز تتجاوز الحد المتوسط المرسوم في عالم التقويم وميزان الأداء.
إن النجاحات المستمرة من حولنا تولد لدينا ضغطا خارجيا، وكذلك إخفاقات العمل يولد لدينا ضغطا داخليا، ومن خلال ذلك ينبغي أن تكون صناعة التدريب مبنية على أساس داخلي وليس من خلال ضغوط تقوم على ردة الفعل والإشادة الإعلامية، وينتهي دور رجال الإدارة العليا فيها بوضع البرامج والأرقام.
ومع ميزانية الخير لهذا العام نأمل أن تكون برامج التدريب أخذت نصابها الوافي وبقي على الجهات الحكومية رسم السياسة التدريبية بما يحقق تطلعات ولي الأمر والوطن والمواطن.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد وأن ننعم بحياة هادئة مطمئنة في نفوسنا ومن حولنا.