ضجيج الحوادث في العالم العربي.. (أزمة الوعي العام بين الأجيال)

بعد نشوب الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تونس، وما تبع ذلك من آثار تمددت جغرافياً وسياسياً على بعض دول العالم العربي, وما يحدث هنا وهناك من أحداث, كانت نتيجة لتراكمات كبيرة من الأخطاء الإدارية, وما نشهده هذه الأيام من اضطرابات في مصر وانشغال العالم كله بهذه الأحداث، يجعلنا نقرر أن هذه الأزمات لم تكن وليدة اللحظة, بل هي تراكمات أزمة الإنسان العربي الخانقة ينطق بها الواقع المتردي والغثائية الأممية في زمن العولمة والعلاقات الدولية القائمة على البحث المستمر عن التوازن في أطوار الحياة كافة.
إن أزمة الإنسان العربي تكمن في الفكر والأخلاق, ما جعلنا نقول إن حضور العقل العربي في هذه الأحداث ظل أسيراً لتراكمات كثيرة خاصة مع التسريبات المؤلمة لتداعيات الأزمة في الفضيحة الإعلامية (ويكيليكس). ولذلك أصبح العقل العربي المبني على هذه التراكمات مرتعاً لأخطاء فادحة لا تستطيع تمييز المسائل المعقدة بصفاء.
إن الإنسان العربي بدأ يعيش مرحلة تفكك العقل العربي لجيل ماض وانحلاله والبحث عن بديل, وذلك في انفجار داخلي يرجع إلى عصر سمته التحول وعدم الاستقرار، وأيضاً التجارب المشاهدة في الدول الأخرى ومحاولة إعادة بناء عقل العربي داخلياً من خلال النشوة الذاتية للدفاع عن الحرية، وإقامة العدل، وكافة المشاعر المصاحبة لتلك الانفعالات.
إنه لم يعد من السهل القول إن التعامل مع الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الفترة الماضية هو التعامل ذاته مع الفترة الحالية لوجود تباين حتمي بين الجيل الماضي والجيل الحاضر في الفكر والشخصية للإنسان العربي ذاته, فمفهوم العقل ذاته قد تغير لهذا الجيل فلم يعد العقل مجموعة من المبادئ, بل تطور مفهومه إلى القدرة على القيام بإجراءات حسب المبادئ العقلانية القائمة على الملاحظة. وبهذه النظرة الجديدة في قوام العقل أصبح من الممكن القول إن العقل أصبح أداة لمكتسبات منشودة. وهذا التطور يعد تغيراً في حد ذاته لم يستوعبه كثير من المحللين, فكيف إذا ارتبط به التطور التقني في عالم المعرفة، وما تبعه من سهولة التواصل وقراءة الأحداث وربطها بالواقع, فالمظاهرات في تونس بدأت من جيل يعيش بمفهوم العقل العربي الجديد وسهولة الاتصال والحضور الإعلامي جعلها تنتقل بسرعة إلى مصر. وستؤثر تلك الأحداث في دول أخرى سواء كان ذلك التأثير جزئيا أو كليا.
لقد أدركت هذه الحقيقة هذه الأيام على مقربة من صليل الإعلام وحومة الصراخ, خاصة بعد قيام بعض المتظاهرين بحماية الممتلكات العامة, فأدركت أن هناك جيلا قادما سيتعامل مع الظروف بطريقة مختلفة كليا عما نتوقعه في الجيل الماضي, الذي ترهل كثيراً.
ميدان التحرير في مصر ليس اسما جديدا, وهو اليوم صار شعارا وسيظل كذلك, لكن المختلف في ذلك هو انصرام جيل عاش في ظرف معين، وصعود جيل يأبى أن يعيش في المرحلة ذاتها.
إن الوعي الشعبي المتنامي، وتنامي الإحساس بالحقوق لدى شعوب العالم بأسرها، يجعلنا نفكر أن إهمال هذا الوعي معول هدم على المدى الطويل, خاصة أن تزامن هذا الوعي المتعاظم مع آلة التقنية التي ربما أقول إنها تعدت حتى سيطرت القوى العالمية التي صنعتها بنفسها.
الفضاء الرحيب الواسع به ثقافة الصورة والإنترنت والإعلام الجديد كـ ''توتر'', ''الفيسبوك''، و''اليوتيوب'' .. وهذه كلها سمحت بتكوين المجموعات الشعبية وتواصل الناس, وكذلك تنسيق المواقف بعيداً كل البعد عن الأحزاب والتنظيمات، وأصبح حجب التقنية أو تحجيمها أسلوبا قديما لا يزيد المستخدمين إلا اشتعالا.
إن التحولات العربية الجديدة والتشكل الذي بدأنا نلمس آثاره, خاصةً ما يتعلق بجانب تطور تشكيل العقل العربي ببنية جديدة مع التوافق على الرؤى المشتركة بعيدة المدى، يجعلنا نقول إن هذه الروح الجديدة هي فرصة لاستثمارها بالأسلوب الأمثل, خاصة أن استجداء القوى الخارجية ليس بمتين وقد ينخرم في أي لحظة.
إن الروح القادمة لهذا الجيل في العالم العربي تتطلب حزماً من الإصلاحات ومحاربة الفساد، والكثير الكثير من الوعي العام, وجدير بنا أن نتسامى بعيداً عن الأحقاد والضغائن، والتصفيات، والحسابات، وظلمة الشقاء، وأن نحافظ على قدر ولو قليل من الاستبصار القائم على الوجدان الذاتي المستضيء بجذوة من الطمأنينة والسلام النفسي.
اللهم أصلح أحوالنا واحفظ أمننا رحماك يا رب عفوك يا الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي