ما معنى أن السلام مع إسرائيل خيار استراتيجي؟

السلام كلمة يفهمها العالم كله على أنها ضد الحرب وتؤدي إلى الاستقرار والتعاون . هكذا فهمت البشرية منذ بدء الخليقة حتى الآن معنى السلام. ويكون السلام أحياناً في أعقاب الحروب والعداوات ويتم عادة في معاهدة للسلام، وتحفل كتب العلاقات الدولية والقانون الدولي بهذا النوع من المعاهدات. وهكذا انتهت الحرب العالمية الأولى بمعاهدة فرساي للسلام بقطع النظر عن تكافؤ الإرادات وحظوظ أطراف المعاهدة من المكاسب والخسائر. وعندما أعلن العالم العربي أن السلام مع إسرائيل خيار استراتيجي كان ذلك له معنى محدد ودوافع محددة ولكن إسرائيل فهمت المعنى والدافع فهم مختلف. ومن الطبيعي أن يكون لإسرائيل فهما خاصا للسلام، فهم غريب غرابة الدولة العبرية ومشروعها ومقوماتها وأوهامها. فهي مشروع استعماري إحلالي استيطاني ويقصد بالسلام فرض المشروع على فلسطين والمنطقة وذلك باستخدام القوة بكل أنواعها. فإذا كان العالم كله يفهم السلام على أنه رد الحقوق لأصحابها وأنه أمل جميع الشعوب فإن أقطاب إسرائيل قديماً وحديثاً قد فهموا السلام على أنه قهر العرب وإذلالهم حتى يسلموا لإسرائيل بما تشاء. وقد بلور نتنياهو هذه النظرية بصراحة مؤكداً أن قهر إسرائيل لمصر والأردن هو الذي دفع الدولتين إلى طلب السلام الإسرائيلي وفق مفهوم إسرائيلي، والذي يعني في أحد معانيه عدم إشعال الحرب ضد مصر والأردن مقابل ألا تعكر الدولتان صفو المشروع الإسرائيلي وتقدمه في فلسطين وخارجها. أكد نتنياهو أيضاً أن السلام مع الفلسطينيين متعثر لأن إسرائيل لن تتمكن بعد من الوصول إلى نقطة القهر المطلق لهم، وكذلك الحال مع سورية ولبنان.
وقد فهمت إسرائيل الإعلان العربي حول أن السلام معها خيار استراتيجي من جانبهم على أنه قرار نهائي لا رجعة فيه وهو استسلام العالم العربي للطموحات الإسرائيلية، ولذلك تستنكر إسرائيل أي نقد، على قلته لتصرفاتها، فلا تتوقع مطلقاً أي إجراء عربي ضدها. ويبدو أن العالم العربي يقترب من هذا الفهم. وقد رتبت إسرائيل على ذلك أن الطريق أصبح مفتوحاً أمامها دون قيد من أحد بحيث أصبحت اللاعب الوحيد الذي له حق القرار وإكمال المشروع الصهيوني والتسلح وإبادة الشعب الفلسطيني، ويدخل في ذلك أيضاً الكيد للعالم العربي ودوله وخاصة المجاورة لفلسطين، خاصة أن المشروع الصهيوني، وإن كانت إسرائيل قاعدته، فهو يتجاوز العالم العربي ويتحكم في مفاصل النظام الدولي. والمعلوم أن طرح السلام كخيار استراتيجي من جانب العالم العربي كان يقصد به أنها ليست مناورة أو كسباً للوقت، ولكي يثبت العالم العربي للولايات المتحدة أن هذه الصيغة ضمان لأمن إسرائيل، ولكن العرب لم يقصدوا قطعاً أن تكون الصيغة صحيفة بيضاء واستسلاماً غير مشروط لإسرائيل. ويبدو أن العالم العربي كان يعتقد أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن السلام، قد جعل إسرائيل في نظر العالم دولة مسالمة وديعة تريد العيش في أمن وسلام، ولذلك أراد العرب ألا يتركوا الساحة لإسرائيل.
والآن تعتدي إسرائيل على الأقصى وتهود القدس والضفة وتعلن صراحة برامج التهويد، ونشهد خلافاً شكلياً بينها وبين واشنطن، فهل يتفضل القادة العرب فى قمة طرابلس بتصحيح مفهوم السلام كخيار استراتيجي؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي