فتنة السلام مع إسرائيل واستعادة الأمن القومي العربي

لا خلاف على تعريف الأمن القومي العربي. ولكن الواقع يعانى أوضاعا معظم أسبابها تعود إلى الصراع العربي الإسرائيلي، وبشكل أخص إلى فتنة السلام مع إسرائيل، خاصة أن سجل المحاولات السلمية أظهر أن إسرائيل قد كسبت الجولة، وصدرت الشقاق دون سلام إلى العالم العربي. فالعالم العربي وإن كان جسداً واحداً إلا أنه ليس عقلاً واحداً، كما أنه يقع في منطقة تتناوشها مصادر الخطر والتهديد، كما أن العقود الأخيرة والتحالفات الخارجية داخل المنطقة قد ضربت الجسد العربي والفكرة العربية في مقتل حتى بدا الحديث عن الأمن القومي العربي بعد استهداف العروبة والإسلام يدخل في باب التنظير والتمنيات أو التحسر على ماض قد أفل. ذلك أن قراءة المشهد العربي وما آل إليه تظهر مقدار التمزق الذي أصاب هذا الجسد، وأن التمزق قد وقع على مفاصل الجسد، كما وقع على مكونات كل عضو فيه. هذا المشهد يتطلب دراسات جادة وموضوعية لبيان المسيرة التي سار فيها العالم العربي خلال العقود الثلاثة الأخيرة وآلت به إلى ما نراه الآن. ولعل هذه النقطة لا تفارق عقل خادم الحرمين الشريفين وهمه الأول هو التئام الجسد العربي بعد كل السهام التي أصابته والتشققات الغائرة التي ألمت به. فالعراق يشهد جولة جديدة من الانتخابات التي تعلو فيها أصوات الطوائف على مصلحة العراق الواحد. فإذا سلمنا بأن إسرائيل هي السبب المباشر في تمزيق الساحة الفلسطينية وأحد أهم الأسباب في تمزيق العالم العربي، فإنه يظل دائماً ما يحتاج إلى دراسة حقيقية هو معدل الاستجابة العربية للتشرذم والتفتيت، لأن البيئة العربية أصبحت شديدة القابلية للتدهور وهذه خاصية ملحوظة ولكنها تحتاج إلى دراسة لا تهدف فقط إلى وصف الموقف، وإنما إلى تقديم العلاج له حتى تكون بيئة مقاومة لعوامل الهدم والإفناء.
أما البيئة السودانية، فإن مقومات الخطر عليها أعلى من مقومات الاستجابة الداخلية والتهيؤ للتساهل مع المؤامرات الخارجية. وقد افتقد العالم العربي هذا التقسيم التقليدي بين القلب والأطراف، فتجاسر البعض على مكان القلب وقنع البعض الآخر بموقع الأطراف حتى استبدت القطيعة وتفرق الشمل. ولا أظن أننا بحاجة إلى ضرب الأمثلة وهى بالآلاف على ما أحدثته إسرائيل بمساندة الولايات المتحدة في البيئة العربية والفلسطينية، بينما تكفى الإشارة إلى أنه إذا كان العالم العربي لم يختلف في العقدين التاليين على قيام إسرائيل على ضرورة المواجهة الشاملة معها، فإن أخطر النتائج على العالم العربي بدأت مع فتنة السلام العربي - الإسرائيلي. وعند كتابة هذه السطور فإن الكتابات العربية حول تيار التطبيع مع إسرائيل الذي يتسع، وتيار الممانعة على أساس أن إسرائيل تمعن في نهب الحقوق العربية والاجتراء على الأقصى المبارك، وبين الراغبين في منح فرص أخرى مع علمهم المسبق بالنتيجة، فهل تعوق الفتنة الجديدة بحث الأزمة ومحاولة إعادة اللحمة ولو على أساس صيغة تحفظ للجسد عافيته وتضمن أن حرية أعضائه في التعامل مع إسرائيل لا تؤثر في سلامته وموقفه النهائي؟ نأمل أن تدرس القمة القادمة هذه القضية بالجدية الواجبة ودون تشنجات في ضوء المصلحة الاستراتيجية للعالم العربي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي