اليورو تحت الضغط المالي (1من2)

|
الاتحاد النقدي الأوروبي ليس متحدا كما يبدو، أو على الأقل ليس على ما يرام، فما إن بدأ جليد الأزمة المالية العالمية في الذوبان، حتى أخذ يلوح في الأفق الأوروبي خطر قادم يكشر عن أنيابه بشدة مهددا العالم بالوقوع مرة أخرى في هاوية أزمة جديدة ولكن من نوع مختلف، وهي أزمة الديون السيادية، التي تعد حاليا بمثابة قنبلة مالية موقوتة مرشحة للانفجار في أي لحظة، ولقد أظهرت أزمة دبي مدى حجم المخاطر التي يمكن أن تنشأ عن الإعلان عن التوقف عن سداد دين سيادي حتى وإن تعلق الأمر بإمارة صغيرة كدبي، ولكن الأمر هذه المرة لا ينصرف إلى بضعة مليارات تعثرت في سدادها دبي وورلد، ولكننا نتحدث عن مئات المليارات من الديون الحكومية التي ربما تهوي بأسواق المال في العالم بل وتضع اليورو في مهب الريح تحت ضغوط المخاطر المالية المحتملة للدول الأعضاء فيه. باختصار يتعرض اليورو اليوم، على أعتاب العقد الثاني من عمره، لأعنف أزمة في تاريخه حتى الآن. الوضع المالي المتأزم لليونان وإسبانيا والبرتغال وأيرلندا يثير إشكالية فنية مهمة حول الآليات التي ينبغي أن تعمل الدول الأعضاء في اتحاد نقدي على أساسها. من حيث المبدأ يفترض أن تلتزم الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي باتباع سياسة نقدية موحدة، بينما ليس لديها الالتزام نفسه فيما يتعلق بسياساتها المالية، ففي الواقع يمكن أن تتبع الدول الأعضاء سياسات مالية متباعدة بشكل بين، وهو ما يلقي بظلال الشك حول مدى مناسبة معايير التقارب التي يفترض أن تتوافر في الدول الأعضاء قبل وبعد الانضمام إلى الاتحاد النقدي، بصفة خاصة معايير التقارب المالي، التي تنص على ألا يتجاوز عجز الميزانية نسبة 3 في المائة من الناتج المحلي للعضو وألا يزيد الدين العام على نسبة 60 في المائة من الناتج المحلي كذلك. كانت الأوضاع المالية للدول الأربع متوافقة مع هذه المعايير عند الانضمام، غير أن التجربة الحالية تثبت أن استيفاء معايير التقارب المالي عند الدخول في الاتحاد النقدي لا يضمن استدامة هذه المعايير في الأجل الطويل، ولذلك نرى البعض ينادي بضرورة تبني معايير للتقارب الحقيقي (وليس المالي والنقدي) قبل الدخول في الاتحاد النقدي لضمان استدامة التقارب وعدم تعرض العملة الموحدة لضغوط مستقبلية في حال اختلت معايير التقارب المالي أو النقدي التي دخلت على أساسها تلك الدول للاتحاد. بوادر الأزمة الحالية تثير إذن وبقوة ضرورة تعديل شروط الاتحادات النقدية من مجرد تبني سياسات نقدية موحدة إلى تبني سياسات مالية موحدة أيضا، لتلافي الضغوط التي يمكن أن تترتب على السياسات المالية التوسعية أو غير المنضبطة على الاتحاد النقدي. لقد استغل الأعضاء الأربعة ميزة عضويتهم في اليورو وقاموا بالاقتراض بمعدلات فائدة منخفضة، وفي ظل انفلات أوضاعهم المالية تجاوزت معدلات عجز ميزانياتهم وديونهم العامة إلى الناتج المحلي تلك المعدلات الآمنة المحددة في الاتفاقية، ونتيجة لذلك يتصاعد قلق المستثمرين الدوليين يوما بعد يوم من المستويات المرتفعة لعجز الميزانية لهذه الدول. ولقد جاءت بيانات النمو في الربع الرابع من العام الماضي لتزيد الطين بلة، حيث انخفض معدل النمو في منطقة اليورو (16 دولة) إلى 0.1 في المائة فقط (أي 0.4 في المائة على أساس سنوي)، وذلك مقارنة بمعدل نمو 0.3 في المائة في الربع الثالث (1.2 في المائة سنويا)، وإذا ما استثنينا فرنسا حيث بلغ معدل النمو فيها في الربع الرابع 0.6 في المائة، فإن معدل النمو لمنطقة اليورو سيصبح سالبا. على سبيل المثال انخفض معدل النمو في إيطاليا بـ 0.2 في المائة، واليونان بـ 0.8 في المائة، بينما كان معدل النمو في إسبانيا سالبا، ولم يحدث أي تحسن في معدل نمو البرتغال وألمانيا، أما في الشرق فقد انخفض معدل النمو في جمهورية التشيك والمجر ورومانيا. كذلك لامست البطالة معدل 10 في المائة في منطقة اليورو لأول مرة في ديسمبر الماضي، ومعدل البطالة في إسبانيا حوالي 20 في المائة وفي أيرلندا 13.5 في المائة. استجابة لهذه الضغوط أعلنت الدول الأربع برامج لخفض مستويات العجز المالي ودفعه إلى الحدود المنصوص عليها في الاتفاقية فقد أعلنت إسبانيا أن سيناريو العجز إلى الناتج الإسباني في حدود 9.8 في المائة في 2010، ينخفض إلى 7.5 في المائة في 2011 ثم إلى 5.4 في المائة في 2012 ليعود إلى مستوى 3 في المائة في 2013، غير أنه في 29 يناير الماضي أظهرت التقارير بأن العجز الحقيقي للميزانية في إسبانيا هو 11.4 في المائة. كذلك أعلنت البرتغال أن العجز المتوقع في ميزانية 2009 كان أكبر من المتوقع حيث بلغ 9.3 في المائة من الناتج المحلي، ويتوقع أن يصل إلى 8.3 في المائة في 2010، وقد أعطى الاتحاد الأوروبي البرتغال مهلة حتى 2013 لكي تخفض العجز مرة أخرى إلى أقل من 3 في المائة من الناتج المحلي، وقد أعلنت الحكومة البرتغالية أنها سوف تحاول الحد من نمو الإنفاق من خلال تجميد أجور العاملين في القطاع العام، كذلك سوف تقوم البرتغال بإدخال ضريبة بمعدل 50 في المائة على العلاوات الإضافية التي تدفع في 2010 لكبار الموظفين في المؤسسات المالية وسوف تعيد إطلاق برنامج للتخصيص والذي كان قد تعطل بسبب الأوضاع السيئة للأسواق الناجمة عن الأزمة المالية. وفي 2 فبراير جهزت الحكومة اليونانية خطة لخفض الإنفاق بما في ذلك تجميد أجور العاملين وزيادة ضرائب الوقود وإدخال إجراءات لزيادة الإيرادات الضريبية بهدف العودة بالعجز إلى مستوى 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2012 مقارنة بـ 13 في المائة في 2009. من ناحية أخرى فإن العجز المالي الحالي في أيرلندا يبلغ 12.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي تأتي في المرتبة الثانية بعد اليونان. المشكلة الأساسية وراء كل هذه الإجراءات التقشفية هي في آثارها السلبية في النمو الأوروبي الذي يواجه متاعب حادة أصلا على النحو الذي تمت الإشارة إليه أعلاه. وينبغي ألا ننسى أن الإعلان عن اتخاذ إجراءات مالية قاسية ربما قد يبدو سهلا من حيث التسطير على الورق، ولكن عملية وضعها موضع التنفيذ تواجه الكثير من العقبات الكامنة، فخفض الإنفاق الجوهري لا يخلو أيضا من مخاطر سياسية حساسة. على سبيل المثال يتوقع وزير المالية اليوناني زيادة معدلات النمو في منتصف هذا العام مدفوعا بالنمو في نشاط النقل البحري والسياحة، ولكن معدلات النمو المتوقعة في أوروبا وفقا لأفضل السيناريوهات المتاحة تراوح ما بين نصف و1 في المائة على أفضل الأحوال، وتتسم أسواق العمل كافة بالضعف مما يجعل استعادة النشاط السياحي لمستوياته السابقة على الأزمة، كما يفترض الوزير، أمرا مستبعدا، وكذلك الحال بالنسبة لنشاط النقل البحري. مشكلة اليونان الملحة هي في حاجتها إلى توفير كمية كافية من التمويل التي تمكنها من مواجهة الديون المستحقة عليها في أبريل ومايو القادمين، وفي الوقت ذاته توفير كمية كافية من السيولة التي تمكنها من الاستمرار في تمويل نفقاتها. وتدور التقديرات حاليا حول أنه من المحتمل أن تحتاج اليونان لحوالي 30 مليار يورو في مايو القادم، وعلى الرغم من تركز عمليات استحقاق الديون بصورة مكثفة في أبريل ومايو القادمين، فإن احتياجات السيولة في السنوات القادمة ستظل مرتفعة حيث يبلغ إجمالي الدين اليوناني 303 مليار يورو (حوالي 430 مليار دولار)، وسوف يتطلب الأمر من اليونان أن تحاول أن ترفع من معدلات نمو ناتجها المحلي وترفع من مستويات الادخار بها وتقلل في الوقت ذاته من الاقتراض الحكومي، وهي معادلة تبدو مستحيلة الحل. اليونان تقف الآن في المربع الذي وقف فيه بنك ليمان براذرز قبل الأزمة المالية العالمية في 2008، ولكن إذا كانت الولايات المتحدة قد سمحت بسقوط البنك، فكانت النتائج مدوية على الاقتصاد الأمريكي وعلى النظام المالي في العالم، فإن الاتحاد الأوروبي لن يسمح بسقوط اليونان، على الرغم من أنها مارست عملية غش للاتحاد الأوروبي عندما دخلت في الاتحاد النقدي بإعلان مؤشرات مزيفة عن نسبة عجزها المالي إلى الناتج المحلي الإجمالي، وعدم التزامها فيما بعد بقواعد اللعبة. القطاع المصرفي الأوروبي بالطبع هو الأكثر تهديدا الآن في هذه الأزمة، حيث إن البنوك الأوروبية مستثمرة وبصورة كبيرة في السندات الحكومية الأوروبية، على سبيل المثال البنوك الفرنسية منكشفة على الديون اليونانية بحوالي 75 مليار دولار، والبنوك الألمانية منكشفة على الديون اليونانية بحوالي 43 مليار دولار ولذلك يرى المراقبون أن سيناريو الأزمة إذا اندلعت ربما يكون أسوأ مما هو متوقع، خصوصا عندما تلجأ حكومات تلك الدول إلى اتخاذ إجراءات تقشفية للتعامل مع الوضع مما يؤثر بصورة سلبية في النمو الاقتصادي بها، وربما يعكس اتجاهات استعادة النشاط الاقتصادي العالمي.
إنشرها