لماذا لا تعلن إسرائيل دولة منبوذة في الأسرة الدولية؟!
الدولة المنبوذة هي التي نبذها المجتمع الدولي، وهو المعنى الذي تناقلته العرب عندما كانت القبائل تفرد أحد أبنائها الخارجين على أعرافها بسلوك تأباه القبيلة، كما في قول طرفة بن العبد:
إلى أن تحامتني العشيرة كلها وأفردت إفراد البعير المعبد
وقد عرفت النظم الدولية المتعاقبة عدداً من الدول المعزولة المنبوذة التي تتحاشى الدول الأخرى التعامل معها مثل إسرائيل وجنوب إفريقيا العنصرية. أما الدول المنبوذة اليوم فهي تلك الدول التي تقرر الولايات المتحدة أنها كذلك، وهي الدول التي تتهم بإيواء الإرهاب أو تسعى إلى السلاح النووي، وكلها دول مناهضة للسياسة الأمريكية، وهي الآن إيران وكوريا الشمالية. ورغم أن إسرائيل تحظى بالمرتبة المميزة عند الولايات المتحدة التي تستميت في الدفاع عنها، وحتى عن جرائمها، فإن سجل إسرائيل يحفل بكل أنواع جرائم الإبادة للشعب الفلسطيني، وإعلان خطط الاستيطان وتنفيذها بالقوة وتجريم كل معارضة للتهويد، وقهر الشعب علي قبول إسرائيل كدولة يهودية، والقبول بأن دولتهم هي الأردن فيما أصدره الكنيست من قوانين متتالية آخرها قانون الولاء للدولة اليهودية، ونهب أراضي الفلسطينيين وبيوتهم بأحكام المحكمة العليا الإسرائيلية التي تنشط كأداة فاعلة في تنفيذ المشروع الصهيوني. وتصر إسرائيل على أنها تريد كل فلسطين وأن أعمال الإبادة هي الطريق الوحيد لطرد الفلسطينيين يناقض تماماً ما قررته الأمم المتحدة عام 1949 بأن إسرائيل دولة، ومحبة للسلام، وراغبة في تنفيذ أحكام الميثاق وقادرة على ذلك. ويعلم الجميع أن إسرائيل التي ولدت بقرار الجمعية العامة رقم 181 في سابقة فريدة في تاريخ العالم، هي الدولة الوحيدة التي تمعن في امتهان قرارات الأمم المتحدة، وهي التي أعلنت صراحة أن قرارات محكمتها العليا أسمي من قرار محكمة العدل الدولية في قضية الجدار العازل، الذي دان ممارسات إسرائيل كافة في الأراضي الفلسطينية.
ثم كانت جرائم هولوكوست غزة وما لقيت إسرائيل فيه من دعم ومساندة من واشنطن وعواصم أوروبية كبرى، وكأن هذا الهولوكوست ضد أصحاب الأرض عقوبة لهم على أنهم أرادوا الاستمرار في الحياة على أرضهم. ولكن هذه الجرائم أصبحت شبحاً يطارد قادة إسرائيل الذين ادعوا البطولة في إحراق المدنيين، بينما وقف العالم كله ضد الأعمال الفدائية الفلسطينية ضد بشاعة سياسة الاحتلال. والطريف أن المسؤولين البريطانيين اعتذروا لمجرمي إسرائيل بأنهم لا يستطيعون تغيير القوانين البريطانية حتى يفلت هؤلاء المجرمون من الملاحقة القضائية.
فكيف تتعامل أسرة الأمم المتمدينة مع هذه العصابة الإجرامية وهم يعلمون أن الفرق بين الدولة القانونية، والعصابة هو توافر المشروعية.
فمتى يقف العالم لمحاسبة إسرائيل ونبذها بعد أن اسود سجلها، ومتى يدرك أن وجودها في أسرة الأمم المتمدينة دليل علي نفاق هذه الأسرة، ودليل على التناقض بين ما تنادي به من قيم العدالة وحقوق الإنسان وممارسات إسرائيل. ومتى تدرك هذه الأسرة أن التعامل الطبيعي مع المجرم يشجعه علي مزيد من الإجرام، ويحبط الأمل في العدل والإنصاف في قلوب الضحايا.
فلتكن الخطوة الأولى من العالم الإسلامي وفي قلبه العالم العربي، لا بد أن تدرك إسرائيل أن المجرم لا يستطيع الإفلات طويلاً بجرائمه.