الرياضة السعودية ولقاء من خلف القضبان

[email protected]

الرياضة السعودية اليوم لا تختلف عن الصورة العامة التي يعيشها المجتمع بشكل عام، خصوصاً كرة القدم. وقبل الدخول في الموضوع أود أن أُوضح أنني بعيد بعض الشيء عن عالم كرة القدم السعودية, خصوصاً خلال السنوات القليلة الماضية بعد أن أصبح الدوري السعودي مشفرا، ولكن حدث أنني تابعت عدداً من المباريات في الدوري السعودي، حقيقة أنها لا تبشـــــــر بخير, فالنفوس محتقنة والتهم بالفساد والاعتقاد بتعمد هزيمة بعض الفرق من قبل الحكام السعوديين, أصبحت موضة عند البعض, مع العلم أن ذلك هو اتهام في دينهم وذممهم وأصبح الكل يتهم الحكم بالفساد وعلى لسان كبار المسؤولين من أبناء الأسرة إلى مسؤولي الإعلام في الأندية.
إن الرياضة وما وصلت إليه من تخلف في المفهوم والروح، وتشنج نفسي وسلوكي وتصريحات غير طبيعية من أشخاص يفترض فيهم التمتع, كما يقول زملاؤنا في عالم الرياضة, بالروح الرياضية, وهذا الأمر لم يعد أمراً خافياً، بل إن خادم الحرمين الشريفين قبل سنوات شكل لجانا لهذا الأمر, ولا نعلم ما وصلت إليه. ولهذا فإن هناك العديد من الاستفسارات والتساؤلات عن وضعنا المجتمعي بشكل عام, وهل الرياضة هي إفراز لذلك الوضع خصوصاً هذه الأيام ودعونا نقف عند العديد من الملاحظات التي يمكن قراءتها على أساس أنها تعكس الوضع العام للمجتمع السعودي.
أولاً: المطالبة بالحكام الأجانب وسببه عدم الثقة عند البعض بالحكام السعوديين، والحقيقة أن هذا الأمر لا يعيبنا, لأن الاستفادة والاحتكاك بالتجارب والخبرات الناجحة هي ما يسعى إليه العديد من دول العالم، واعتقادنا أن السعودة في كل شيء هو اعتقاد خاطئ لحاجتنا الماسة إلى الآخر، ولكن ليس على حساب الثقة بالإنسان السعودي وكفاءته.
ثانياً: التشنج والتصريحات النارية التي نسمعها توضح إلى أي مدى ما نعانيه اليوم من الفجوة الحقيقية في بناء الإنسان واحترامه الأنظمة والقرارات التحكيمية، وهذا أيضاً يعكس نوع وكثرة الرسائل التي تتداول اليوم بين الجوالات حول الوضع العام والوضع الاقتصادي بشكل خاص وما يعانيه الناس من مشكلات بسبب هذا الوضع.
ثالثاً: التغير غير المبرر في ثقافة الصحافة الرياضية حيث كنا نعتبرها من أرقى الصفحات في الصحافة السعودية لقوة الطرح ونزاهة وسلامة مقصده والبعد الوطني للرياضة، أما اليوم فالوضع مختلف وأصبحت صفحات ذات أهواء وطرح غير مقبول عقلاً ونقلاً.
رابعاً: السلوك غير الحضاري الذي نراه اليوم من الجماهير السعودية، حيث أصبح تخريب الملاعب وقذف اللاعبين في ساحة الملعب بمختلف ما تقع عليه اليد، حتى أن العديد من المباريات أصبحت تفقد بريقها الرياضي الذي يعاني أصلاً من خلل، وذلك من كثرة إيقاف المباريات ومحاولة تهدئة الجماهير، هذا السلوك الذي لم نتعوده ويعكس ربما الوضع النفسي المحتقن للمجتمع، وهو ما تجب دراسته ومعرفة أسبابه ووضع العلاج المباشر له، لأن السكوت عليه أو زيادة أسوار الملاعب الداخلية ووضع الحواجز الشائكة بين المشجع واللاعب, وهو ما يفقد الرياضة روحها والهدف النبيل من رعايتها واحتضانها وصرف الملايين عليها.
دعونا نقيم الوضع الراهن في رياضتنا السعودية ثم نبحث عن الأسباب وطرق العلاج, خصوصاً إذا علمنا أننا أحوج ما نكون إليه اليوم هو الاستثمار في الإنسان وبناء قدراته في مختلف المجالات, والرياضة أحد تلك المجالات، والعالم اليوم أصبح يؤكد أهمية الاستثمار في الموارد البشرية، هذا الاستثمار الذي بدأنا نفقده في عالم الرياضة السعودية من خلال العديد من الممارسات السلبية, ومنها:
1- فقد الثقة بالحكم السعودي لقيادة المباريات المحلية، هذه الثقة التي لن ينالها من غيرنا في المحافل الدولية إذا كان يفقدها في وطنه، ونعرف حجم الخسارة التي تصاحب ذلك من سمعة المملكة, ولعل دورة الخليج الأخيرة التي أجاد فيها الحكم السعودي وكان على قدر الثقة والمسؤولية لم تسعفه أمام الآخرين ولم تحمه من النقد والإبعاد فقط لأنه لم يجد ذلك التقدير والثقة في بلده.
2- الانفلات الإعلامي التحريضي سواء ضد الحكام السعوديين أو بين مسؤولي الأندية أو بعض مسؤولي الاتحادات الرياضية حتى أن الواحد منا أصبح يخجل من قراءة بعض التصريحات حول العمل الرياضي.
3- التغير الملحوظ في سلوك الجماهير السعودية وفي مختلف الملاعب، بحيث أصبح الشغب الجماهيري سمة العديد من المباريات وهو ما لم نتعوده في رياضتنا السعودية، وكنا دائماً نعتز بأخلاق جماهيرنا السعودية في مختلف المحافل وتحت مختلف الضغوط وكان المشجع السعودي رمزاً للأخلاق الرياضية العالية.
4- اللاعب السعودي لم يسلم من هذا التغيير السلبي، وأصبح انتماء بعضهم لأنديتهم أكبر وأكثر من انتمائهم للمنتخب السعودي حتى أن أحدهم يتعمد الحصول على البطاقات الحمراء عندما يلعب مع المنتخب وذلك لحماية نفسه والحفاظ عليها لخدمة ناديه بدلاً من بلده.
5- الصرف غير المبرر والمبالغة التي تصل إلى مرحلة التهور للحصول على بعض اللاعبين الأجانب، هؤلاء اللاعبين الذين يغلب على بعضهم انتهاء صلاحيته في الملاعب العالمية، ويجد الفرصة في بعض الأندية السعودية التي تدفع الملايين، هذه الملايين التي يمكن استثمارها في بناء رياضة سعودية متميزة, والطريق إلى ذلك معروف للجميع.
وأخيراً لعل منظر مذيع قناة "الرياضية" السعودية في المباراة النهائية لكأس الأمير فيصل بن فهد بين الأهلي والاتحاد وهو يقوم باللقاءات مع بعض المدربين والإداريين واللاعبين من خلف القضبان، آسف أقصد من خلف الأسوار الشائكة في الملعب, يعطي الفكرة والصورة الكاملة والواضحة للمستوى الأخلاقي الرياضي الذي وصلنا إليه.
رحلة النقد والإيضاح والتشريح طويلة والأمثلة كثيرة وما تسمح به المساحة تم طرحه وانتهي بالعديد من التساؤلات لعل أولها هي: هل نعي خطورة ما وصلنا إليه؟ وهل نملك القدرة على الاعتراف به؟ ثم نجيد التحليل وإيجاد العلاج الناجح له؟ أم ينتهي بنا المطاف إلى إعفاء المدرب أو الإداري أو منع الجمهور من حضور المباريات أو.. أو.. !!!؟ بناء الإنسان والاهتمام بتطويره يبدأ وينتهي بسلوكه, والسلوك ينعكس من خلال الروح الرياضية التي بدأنا نفقدها ولا نعرف أين الخلل؟!

وقفة تأمل
"إن الإخلاص يقتضي الصدق في النصح والمصارحة في تشخيص الآفات وعدم إخفاء العلل، فليس من الوفاء لأهلك وقومك ووطنك أن ترى الخطأ وتسكت عنه، ولا أن تعرف الخلل ولا تبادر بتعريته، فهذا هو الذي يضمن سلامة الوطن واطراد نمو المجتمع، أما استرضاء المجتمع بالسكوت عن علله، فهو خيانة له واستهانة بالحقيقة ومشاركة في تعميق وتوسيع الخلل".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي