صلاة الخوف (1 – 2)
تحدثت في لقاء مضى عن تأثير الخوف من إسقاط عدد ركعات الصلاة الرباعية إلى ركعة واحدة وتأثيره في إسقاط عدد من شروط الصلاة وواجباتها، وصلاة الخوف صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم بصفات كلها جائزة، قال الأثرم قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل نقول بالأحاديث كلها أو نختار واحدا منها قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسّن قال شيخ الإسلام وغيره: وهذا قول عامة السلف اتباعا لما جاء به الشارع صلى الله عليه وسلم والإمام أحمد رحمه الله على قاعدته يجوّز جميع ما ورد، وقال شيخ الإسلام: وفقهاء الحديث كأحمد وغيره متبعون لعامة الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيجوّزون في صلاة الخوف، الأنواع المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم وحكاه الوزير ابن هبيرة إجماعا.
والخوف من العدو أيا كان آدميا أو سبعا مثل أن يكون في أرض يكثر فيها السباع الضارية فيحتاج إلى صلاة الخوف وشرط صلاة الخوف أن يكون العدو مباحا قتاله كقتال الكفار والمحاربين والبغاة لقوله تعالى "وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة، إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا" لأن صلاة الخوف رخصة لاتستباح بالقتال المحرم وتصلى صلاة الخوف عند توفر سببها في السفر أو الحضر. وصلاة الخوف لها عدة صفات منها صلاته صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع ناحية نجد، سميت بذلك لأن أقدام الصحابة تعبت من الحصى والصخور فلفوا عليها الخرق، كما في الصحيح وهذه الصفة توافق ظاهر القرآن وهي أن يقسم قائد الجيش جيشه إلى طائفتين طائفة تصلي معه وطائفة أمام العدو لئلا يهجم فيصلي بالطائفة الأولى ركعة ثم إذا قام إلى الثانية أتموا لأنفسهم أي نووا الانفراد وأتموا لأنفسهم والإمام لا يزال قائما ثم إذا أتموا لأنفسهم ذهبوا ووقفوا مكان الطائفة الأولى أمام العدو وجاءت الطائفة الأولى ودخلت مع الإمام في الركعة الثانية، وفي هذه الحال يطيل الإمام الركعة الثانية، أكثر من الأولى لتدركه الطائفة الثانية، وإطالة الثانية أكثر من الأولى مستثنى في هذه الحالة من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان يطول الركعة الأولى أكثر من الثانية، وتدخل الطائفة الثانية، مع الإمام فيصلي بهم الركعة التي بقيت ثم يجلس للتشهد فإذا جلس للتشهد قبل أن يسلم قامت هذه الطائفة من السجود وأكملت الركعة التي بقيت وأدركت الإمام في التشهد فيسلم بهم. وهذه الصفة موافقة لظاهر القرآن قال الله تعالى: "وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم" إذا سجدوا أي: أتموا الصلاة: ولتأت طائفة أخرى، "وهي التي أمام العدو" لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ولكن الله عز وجل قال للطائفة الثانية: "وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم" وللطائفة الأولى: "وليأخذوا أسلحتهم" لأن الطائفة الثانية الخوف عليها أشد فإن العدو قد يكون تأهب لما رأى الجيش انقسم إلى قسمين وأعد العدة للهجوم فلهذا أمر الله بأخذ الحذر والأسلحة.