اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية أحلام تغيير المنطقة (13)

<a href="mailto:[email protected]">Ffaheem2006@yahoo.com</a>

لم يتوقع مخططو حرب العراق أنها ستتحول إلى مستنقع من الرمال المتحركة الذي يسحب مَنْ فوقه إلى القاع أو إلى بحر من الطين الذي يغطي ويغرق من يتحرك على سطحه.
لم يتوقع كبار واضعي السياسات المالية أنها ستلتهم أموالا ضخمة وتسفر عن خسائر معنوية كبيرة وتقضي على هيبة أمريكا التي اكتسبتها عندما دخلت مؤتمر فرساي بعد الحرب العالمية الأولى وكأنها الفارس المنقذ. ثم دخلت يالتا 1945 باعتبارها اللاعب الأول، الذي هزم فاشية اليابان ونازية ألمانيا ودكتاتورية موسوليني.
حقا لقد تغيرت الأزمان، ورغم تطور السلاح الأمريكي وتضخم موارد الولايات المتحدة، إلا أن أي نفر من رافضيها أصبح لا يجد أي غضاضة في صفعها هنا وهناك ولا يتردد عن ضربها على طريقة الضباع التي تنهش جاموسا عملاقا.
وبقراءة خاطئة للتاريخ، جاءت الولايات المتحدة إلى المنطقة بجيوشها لإعادة رسم حدودها وصياغة ما تسميه بمفردها الشرق الأوسط الجديد. وكعادتها تعتمد على رهط من المعجبين بدولاراتها والخائفين من بطشها ليقوموا بالتبشير والإيحاء بأن ما تفعله واشنطن هو عين الصواب، مع أن الدرس الأول في السياسة أنها كالبئر المظلمة أو الموج المتلاطم قد يغرقك أو يرويك وقد يحملك أو يهلكك.
والدرس الثاني أنه من السهل بدء أي شيء على اختيارك، ولكن من الصعب إغلاق الملف على ما تريد.
هذا التحول الجديد في الاستراتيجية الأمريكية اعتبره المراقبون قلبا للسياسة الأمريكية في المنطقة أو العالم. ويجمع هؤلاء على أن اللوبي الإسرائيلي كان وراء هذا التحول.
كان اليهود في قمة النشاط في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، التي حصلوا أثناءها على وعد بلفور تشرين الثاني (نوفمبر) 1917 وسخروا طاقاتهم كافة لتحقيق حلمهم بإنشاء "وطن قومي لهم على أرض فلسطين"، لذلك كانوا يتابعون بشغف واهتمام، بل ويشاركون في صنع الأحداث المهمة ومنها مراسلات الشريف حسين وماكماهون المعتمد البريطاني في مصر واتفاقية سايكس بيكو الشهيرة التي قسمت فيها فرنسا وبريطانيا مناطق النفوذ في العالم العربي (يريدون طمس هذا المصطلح تماما ويجتهد الإعلاميون بخبث أو بحسن نية في العملية) وبخبرتهم في المنطقة صنع الخبير والمستشار اليهودي موقفا يوحي لواشنطن بإمكانية تكرار ذلك. وعزز الشعور بسهولة تحقيق ما حدث في الماضي والوصول إلى المنطقة على حساب العراق وأفغانستان. ورغم كل ذلك نسمع من قارعي طبول أمريكا ونافخي مزاميرها أن اليهود لا دخل لهم وأن الماضي لا يلهم أقوى قوة في الحاضر. فتخرج صحيفة "وول ستريت جورنال"
( منبر إسرائيلي مخلص) تقول في عنوان رئيسي:
" حلم الرئيس: ليس تغيير نظام وإنما تحويل منطقة
Changing not just a regime but a region.
وعنوان آخر "إن خلق منطقة ديمقراطية موالية للولايات المتحدة هدف له جذور إسرائيلية واهتمام أمريكي" وهو ما لا يترك مجالا للشك في نوايا الولايات المتحدة، إنما يقوض ذرائعها المعلنة عما تسميه الإرهاب والإسلام السياسي ثم الفساد والتخلف وعشرات الذرائع التي يعدها للساسة الأمريكيين خبراء إسرائيليون أقنعوا واشنطن أنهم الوسطاء والخبراء وأقدر من يسير في شؤون المنطقة.
والهدف الإسرائيلي الاستيطاني لم يعد سرا، والخوف من تعاظم قوى المقاومة يفزع الإسرائيليين وقد اقتنعوا أنهم بمفردهم لن يتمكنوا من إكمال عملية الاغتصاب، فكان لا بد من سحب قوة مثل أمريكا يمتطونها لتحقيق ما يريدون. وتقول دراسة "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية" إن إسرائيل وضعت أمامها هدفا استراتيجيا مهما وهو توريط العسكريين الأمريكيين في شؤون المنطقة وتحويلها عن طريق الإعلام المضلل إلى حرب وطنية أمريكية تشنها ضد أعداء "الشعب الأمريكي"، لأن الوجود العسكري الأمريكي هو وحده الكفيل ببقاء إسرائيل، وقد أثبتت تجربة الحرب الإسرائيلية ضد الجنوب اللبناني أن أيام الانتصار في ساعات قد ولت، بل إن صمود اللبنانيين ربما يكون نقطة البداية التي تشجع من يمتلك إمكانيات أفضل، ولكنه يستبعد فكرة الحرب حاليا.
ومن هنا فإن وجود أمريكا حتمي لإسرائيل. ولكي تستمر يجب أن يشغلها مهمة ورسالة وقد حددها اليهود بمسمى بيريز "الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو المعدل ..إلخ" وصحب ذلك حملة تخويف شاملة للأنظمة القائمة، وبدأت حملات القصف الإعلامي في مقالات مثل "حدود الدم" التي نشرتها مجلة الجيش الأمريكي Power التي أشارت فيها إلى اقتطاع أجزاء من دول وضمها إلى دول في محاولة ساذجة لتخويف الدول.
وقد حاول الإسرائيليون مرارا جذب قدم أمريكا إلى المنطقة أثناء الحرب الباردة، ولكنهم فشلوا لأن أمريكا فضلت أن تلعب دور الوسيط على البعد لإقرار التوازنات بين حلفائها العرب وربيبتها إسرائيل. وكانت القوات الأمريكية التي جرى إعدادها وتدريبها لتعمل في العالم العربي بعيدة عن أعين الجميع. وكانت واشنطن تتبع سياسة - كما تقول الوثيقة - التلاعب بالقوى الإقليمية ضد بعضها البعض (العراق ضد إيران - الدول العربية ضد بعضها البعض والدول العربية - ضد إسرائيل) دون أن يتنبه أحد إلى أن ذلك كان سياسة ثابتة يغذيها اللوبي الإسرائيلي. لذلك كان كثير من العرب يتساءلون: لماذا الخلافات بين المغرب والجزائر، والأردن، وسورية ومصر وليبيا، والسودان وكل جيرانها واليمن، وعمان، بل ودول الخليج مع بعضها البعض؟ لماذا لا تنفذ اتفاقية السوق العربية المشتركة؟ ولا تفعل أية اتفاقات عربية؟ الإجابة جاءت متأخرة حيث يوجد لاعب كبير وراء التفريق المنهجي وفق مخطط لا يقبل الخطأ حرصا على بقاء إسرائيل أقوى وأأمن.
تجدر الإشارة إلى أن واشنطن وإسرائيل برعتا في إخفاء أناملهما ولم تنكشفا إلا في الحالة العراقية ـ الإيرانية بسبب فضيحة الكونترا وتهاوي حاجز الإخفاء لدى بعض رجال الرئيس ريجان (1980-1988)، غيَّر كلينتون هذه السياسة بعد حرب الخليج الأولى وتبنى سياسة الاحتواء المزدوج التي كانت تنص على إبقاء قوات أمريكية في المنطقة لاحتواء كل من العراق وإيران، بدلا من استخدام واحدة لضرب الأخرى أو تخويفها. ولم يكن راعي ومنفذ هذه السياسة إلا مارتن انديك الذي عرض هذه السياسة على مفكري اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، ثم قام بتنفيذها عندما تم تعيينه بضغوط إسرائيلية كمدير لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي.
كان هناك سخط عارم على سياسة الاحتواء المزدوج التي لم تكن في مصلحة الولايات المتحدة، لكنها كانت تحقق هدفا استراتيجيا إسرائيليا هو تكريس كراهية واشنطن لكل من العراق وإيران، ولكن الأمريكيين شعروا أنهم مكروهون من دولتين تكرهان بعضهما البعض، وأن أمريكا تتحمل عبئا اقتصاديا ومعنويا كبيرا بمعاداتهما .
وعمل اللوبي الإسرائيلي حتى يستمر الاحتواء.. وتحت ضغط الآيباك وغيره من القوى الإسرائيلية والموالية لها فرض كلينتون حصارا اقتصاديا على إيران.. ولكن آيباك المتعطشة دائما بحقدها ضد الدول العربية والإسلامية كانت تريد المزيد، فصدر قانون العقوبات 1996 مستهدفا ليبيا وإيران بفرضه عقوبات على أي شركات أجنبية تستثمر أكثر من 40 مليون دولار لتطوير الموارد النفطية في كل من ليبيا وإيران. وقد صرح زيف شيف المراسل العسكري لصحيفة "هاآرتس" في ذلك الوقت "إن إسرائيل عنصر ضئيل في المعادلة ولكن لا ينبغي أن يتصور أحد أنها لا تستطيع التأثير على أكبر الكبار".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي