كيف تغير سيناريو الحرب الإسرائيلية على لبنان؟
<a href="mailto:[email protected]">drashwan59@yahoo.com</a>
عندما بدأت الحكومة الإسرائيلية حربها وعدوانها الشامل على لبنان في الثاني عشر من الشهر الماضي، لم يكن أحد في العالم كله بما في ذلك تلك الحكومة التي قررت شن هذا العدوان يتخيل المشهد الذي وصلنا إليه اليوم. فكل الشواهد المتراكمة خلال تلك الفترة تؤكد أن حكومة تل أبيب ومعها حليفتها وراعيتها حكومة واشنطن كانتا تقدران أن إنجاز المهام والأهداف التي شنت تلك الحرب بهذا الحجم من أجلها سيكتمل خلال أيام قليلة وبحد أقصى أسبوع أو عشرة أيام. إلا أن الصمود الباسل للشعب اللبناني ومقاومته الإسلامية بقيادة حزب الله أجل تنفيذ تلك الأهداف والمهام إلى أجل لم يأت حتى اليوم وعقد الموقف بالنسبة إلى الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية إلى حد المعضلة التي يصعب الخروج منها.
والأكثر ترجيحاً أنه منذ وقوع عملية حزب الله بقتل وأسر الجنود الإسرائيليين وحتى اليوم كان هناك سيناريوهان رئيسيان للعدوان الإسرائيلي على لبنان، أحدهما وأولهما خاص وخالص للحكومة الإسرائيلية وهو الذي طرح فور وقوع العملية، والثاني خليط من تصورات إسرائيلية وأخرى خاصة بالإدارة الأمريكية وهو الذي يجرى تنفيذه منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان. ففور وقوع عملية حزب الله ولساعات قليلة ظلت التصريحات العسكرية والسياسية الإسرائيلية تركز على أن المسؤول الأول عنها هو إيران وبعدها سورية ثم بعد ذلك حزب الله. إلا أنه بعد ذلك أكدت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه أن المسؤول الرئيسي هو الحكومة اللبنانية مع الاحتفاظ باتهام كل من إيران وسورية بدفع حزب الله لتنفيذ عمليته لتحقيق مصالح في المنطقة تخص كل منهما. أما واشنطن فهي لم تتهم الحكومة اللبنانية بالقدر نفسه الذي اتهمتها به الحكومة الإسرائيلية، وركزت أكثر على حزب الله باعتباره "منظمة إرهابية" في نظرها, بما وضع الحرب الإسرائيلية عليه ضمن الحرب الأمريكية ضد "الإرهاب، وذلك مع احتفاظ الإدارة الأمريكية بالاتهامات الإسرائيلية نفسها لكل من طهران ودمشق بالتحريض على العملية.
والمرجح أن الحكومة الإسرائيلية غيرت من اتهامها المباشر لإيران وسورية عن العملية تحت ضغوط أمريكية مباشرة وسريعة تلت إعلان أول التصريحات الإسرائيلية بهذا الاتهام. فبالنسبة إلى إسرائيل كانت تلك هي اللحظة الأكثر مناسبة للانتهاء من مخاوفها تجاه ما ترى أنه توسع إيراني واضح في العراق ولبنان وسورية وبعض مناطق الخليج, فضلاً عن تسارع الخطوات الإيرانية نحو تطوير التسليح, خاصة الصاروخي متوسط وبعيد المدى, إضافة بالطبع إلى أبحاثها ومشروعاتها النووية. وإزاء ذلك ووفقاً لاستراتيجية إسرائيل الاستباقية المعروفة، فقد بدت عملية حزب الله بمثابة فرصة سانحة لحكومة تل أبيب لتوجيه ضربات سريعة وقاصمة لجميع الإمكانيات العسكرية والصناعية والنووية الإيرانية بما يوقف تطورها ويباعد بينها وبين أن تمثل خطراً على الدولة العبرية في المستقبل. أما بالنسبة إلى سورية، فقد قدرت الحكومة الإسرائيلية على الأرجح أن توجيه ضربة قاسية لها موازية لضربتها لإيران كفيل بتهديد استقرار نظامها السياسي داخلياً وخارجياً، بما يدفع به من ناحية إلى وقف دعمه لمنظمات المقاومة الفلسطينية وحزب الله ويدفع به سريعاً من ناحية أخرى إلى مائدة المفاوضات وفقاً للشروط الإسرائيلية. واستكمالاً لذلك السيناريو الإسرائيلي الأولي، فإن ضرب كل من إيران وسورية سيتم بالتوازي مع توجيه ضربات عنيفة لحزب الله وقواعده في لبنان، وهو الأمر الذي سيتكفل بتقليم أظافره, بل القضاء عليه بعد أن تهزم الدولتان اللتان تدعمانه.
إلا أن ذلك السيناريو الإسرائيلي الأولي الذي وضع فور وقوع عملية أسر الجنديين، اصطدم على الأرجح فور إعلام واشنطن له برفض أمريكي حاسم له, ما أدى إلى تعديله إلى الشكل الذي جرى عليه بعد ذلك. فبالنسبة إلى المصالح الأمريكية المباشرة، فإن أي هجوم إسرائيلي على إيران مع التأييد الأمريكي المعتاد له كان يمكن أن يقلب بصورة كاملة جميع الحسابات الأمريكية التي تراكمت طوال السنوات الثلاث الماضية في العراق التي قام معظمها على أساس التهدئة مع طهران والاعتماد على حلفائها الرئيسيين في العراق من أجل ضمان أقصى استقرار ممكن للأوضاع في العراق. ففي ظل ذلك الهجوم الإسرائيلي المحتمل كان يمكن لطهران أن تقصف إسرائيل ببعض الصواريخ، إلا أنها كانت ستجعل من العراق بكل ما تمتلكه فيه من أدوات وحلفاء ميدان المعركة الرئيسي التي ستكون في تلك الحالة موجهة فقط إلى القوات الأمريكية الهائلة العدد الموجودة فيه. أما بالنسبة إلى الهجوم الإسرائيلي على سورية، فالأرجح أن واشنطن لم ترحب به على الرغم من غضبها الشديد على النظام السوري تخوفاً من أن يؤدي ذلك إلى إدخال إيران حليفتها القريبة إلى ساحة الحرب بكل التداعيات السابقة، ويدفع إلى إحراج دول كبرى صديقة لواشنطن في المنطقة مثل مصر بما قد يوسع من دائرة الحرب لتشملها، وفي كل الأحوال سيكون سيناريو الحرب الإقليمية الشاملة هو الأقرب احتمالاً. من هنا فمن المرجح أن الضغوط الأمريكية المبكرة هي التي غيرت السيناريو الإسرائيلي الأولي، ودفعت بحكومة تل أبيب إلى التركيز على مسؤولية الدولة اللبنانية المباشرة ومعها حزب الله ووراؤها حكومتا طهران ودمشق، وهو التصور الإسرائيلي السائد حتى اليوم.
وفي ظل ذلك السيناريو الجديد المستمر منذ شن العدوان الإسرائيلي الذي اتفقت عليه كل من الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية، تواصلت حلقات الحرب الإسرائيلية المفتوحة ضد لبنان وشعبه ومقاومته في محاولة يائسة لتحقيق أهدافه الرئيسية المتمثلة إيجازاً فيما ذكرته وزيرة الخارجية الأمريكية من ضرورة صياغة "شرق أوسط جديد" بكل ملامحه التي بدت واضحة للجميع اليوم، وفي مقدمتها الهيمنة الإسرائيلية الشاملة على جميع مقدرات دول ومجتمعات الشرق الأوسط والعالم العربي عبر قوة السلاح وآلة الحرب. من هنا تأتي أهمية الحرب الإسرائيلية على لبنان الشقيق وخطورتها على مستقبل المنطقة بأكملها، فهي ليست مجرد حرب ضد حزب الله، ومن هنا أيضاً يجب على كل عربي محكوماً كان أم حاكماً أن يوجه كل صور الشكر والمساندة للشعب اللبناني الصامد ومقاومته الباسلة لأنهم يدافعون عنهم جميعاً وليس عن بلدهم الصغير وحده.