الانتخابات والتقدير الاجتماعي
<a href="mailto:[email protected]">abdullahbinmahfouz@gmail.com</a>
صفق المجتمع المدني تقديرا لذلك (الحراك الاجتماعي) الذي شهدناه في انتخابات المجلس الطلابي في كليات المعلمين بمدينة جدة، وهي التجربة نفسها تقريباً سوف ستبدأ في مدينة الدمام. وقد حظيت انتخابات المجالس الطلابية بتغطية صحافية وإعلامية واسعة، وهو حدث يستحق أن يتصدر عناوين الصفحة الأولى، فهو في اعتقادي سيغرس النبتة الأولى ويكسر الحاجز النفسي تجاه (صندوق الاقتراع) و(حرية الاختيار) وأخيراً (الممارسة الديموقراطية)!
ولا أود المبالغة في وصف سعادتي بما حدث، خاصة وأنني مررت بالتجربة نفسها في انتخابات أعضاء مجلس الإدارة بغرفة جدة، وكذلك تجربة الإشراف على انتخابات لجنة المحامين في غرفة جدة، ولكن نقف نقطة نظام في انتخابات الطلاب لأنها تمثل القاعدة والانطلاق إلى (المستقبل)، فقد استطعنا إشراق صورة رائعة لأبنائنا الطلاب والتي نشرتها الصحف وهم يتزاحمون في ترشيح أنفسهم ومن ثم إجراء الاقتراع. ولعلني هنا أشد على يد كل المعلمين والمسؤولين في كليات المعلمين على جهودهم في هذه التجربة التي ستكون لها الأثر الفاعل، وأي أثر أتحدث عنه، إنه الإيمان التام والقناعة بأهمية "الفعل الديموقراطي"!
ويمكن القول، إنه وأمام تجربة الطلاب ومن قبلها الغرف التجارية والمجالس البلدية، واللجان الفرعية في الغرف، أصبح الطريق ممهداً لأن ينتقل صداه أو (عدواه) إلى مجالس المنطقة أو إلى قبة مجلس الشورى، لنشهد ربما خلالها أروع ملحمة في التنافس بين أجيال عدة من (التكنوقراط) السعوديين، وهم يتنافسون منافسة شريفة، مقدمين خلاصة علمهم وثقافتهم وخبرتهم، ويساهمون سوياً في بناء بلادهم.
وربما تعطي تجربة مجلس الشورى عمقاً كبيراً عن جيل (التكنوقراط) من السعوديين وهو نتاج حقبة الثمانينيات والتسعينيات، وهو جيل في اعتقادي متحمس إلى حد كبير للمشاركة في العمل، لكنه بحاجة إلى ما يشبه (استفزاز) قدراته، وبإمكان (مقعد الشورى) أن يستفز مواهبه وعلمه وخبراته، وتكون النتيجة مزيداً من الحراك والتفاعل!
ولكن سأعود إلى موضوع انتخابات كليات المعلمين مرة أخرى، وأقول إن سعادة أخرى شخصية شعرت بها، أثناء متابعتي لاحتفاليات الطلاب، فما كتبته قبل نحو أكثر من خمسة أشهر تقريباً في مقال لي نشرته صحيفة "الحياة"، تحقق على أرض الواقع.
قلت في ذلك المقال كلمة محدودة إن نبتة (السياسة) انغرست داخل عقول ووجدان أجيال عديدة بعبارات عدة من بينها: (ممنوع) و(لا يسمعك أحد)، ليس في السعودية فقط، بل كانت ظاهرة عامة في جميع دول الخليج، واستمرت أجيالا عديدة، حتى فجأة وجدنا أنفسنا أمام واقع فرضه الإعلام خصوصاً المرئي، يوجهها حسبما يشاء فارضاً خريطة في "الثقافة السياسية".
ولا جدل أن جيلاً جديداً من أبنائنا أصبح تائهاً وسط الفوضى الإعلامية لا يجد أحدا يسمعه؟ وهو محاصر بأوامر وممنوعات وفتاوى من كل اتجاه وليس لديه قنوات واضحة للتعبير عن نفسه أو بداخله، ويشعر بأن مستبعد من اتخاذ القرارات أو الحوار الوطني، كما أن سبل المعرفة والتعليم في هذا الإطار بالنسبة له محدودة.
وأشرت في المقال حينها، إلى أنه في الوقت الذي لا نزال نصر على أن نملك خصوصية في هويتنا وتاريخنا، فإن زمن العولمة يجتاح بقوة كل الخصوصيات والهويات، وأصبح "ضجيج" القنوات الفضائية خصوصاً يرسم خريطة الثقافة السياسية للمجتمعات العربية بجميع أجيالها، ما أدى أخيراً إلى حدوث الفوضى وتشتت المفاهيم كلها.
وحذرت بأن المسألة تبدو أكثر خطورة فيما يخص الجيل الجديد من الشبان، فشريحة منهم تتردد على أسماعها مصطلحات الديموقراطية والمشاركة السياسية والإصلاح، فيما شريحة أخرى تلقت خبرات في مجتمعات غربية، وأصبحوا يتحمسون إلى المشاركة السياسية، دون دراية أو معرفة بمعناها.
ووقع بين يدي حينها دراسة رسالة ماجستير اختصاصية أجرتها الباحثة هنادي بنت عبد الله المسن من سلطنة عُمان، حول التثقيف السياسي لطلاب الجامعات في دول مجلس التعاون الخليجي في جامعة القاهرة، مستندة إلى استبيان ميداني أن شباب الخليج لا يعرفون مفهوم الحقوق التي يطالبون بها حتى وإن كانت سياسية، هذا وأنهم لا يعلمون أدوارهم في المجتمع. فيما أثبت الاستبيان أيضاً رغبتهم في المشاركة. لكنه في الوقت نفسه تقدم لنا من خلال الاستبيان مفاجأة في أولوياته من حيث الرغبة في العيش الرغد أو بمعنى آخر، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كحقهم في الزواج والعمل والمأكل والملبس، فكيف تأتي هذا الحقوق إذا لم نتشارك مع بعضنا في تحقيقها.
ويتحدث استبيان الباحثة بوضوح وشفافية عن المعلومات السياسية المتوافرة التي لدى الشباب، وتقول الباحثة إنها وجدت من نتائج التحليل الرقمي أنها نسب ضئيلة للغاية في معظمها. وبحسب الاستبيان أيضاً فإن أغلب أفكارهم مستقاة من معلومات خارجية وليست داخلية، كما أن مداخلاتهم في المناقشة غالباً مشوشة، بل كانت مجموعة من المفاهيم المغلوطة التي لا تعكس وعياً حقيقياً بأبجديات الوعي الداخلي التي يجب أن يعرفها كل الشبان.
وتطرح الباحثة الأستاذة هنادي أخيراً في نهاية البحث، قائلة: على من تقع مسؤولية كل ذلك؟ هل من شبابنا أنفسهم، أم من منظومة التعليم المسؤول الرئيسي في توجيههم إلى القنوات الرسمية والمتاحة للمشاركة في المجتمع الخليجي؟
والمثير في الأمر أن (الشباب هم الثروة الحقيقية)، شعار إعلامي لطالما رفعناه في الفترة الحالية لكنه ليس كافياًًً، بل يجب الوقوف على أهمية التثقيف السياسي حتى لا تتمزق هذه الثروة بين التعصب المذهبي أو اتباع الديموقراطية الغربية، ويجب أيضاً مساعدتهم للوصول إلى القنوات الشرعية التي تسمح لهم بالمشاركة.
وليس المقصود هنا فقط المشاركة في الحياة السياسية وإنما المشاركة بمعناها الواسع المشاركة في المجتمع، خصوصاً أعمال التطوع، ويجب أن يتعرف الشباب على الأطر المؤسسية المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني ودورها في التنمية.
إن مجتمع الجيل الثاني من الشباب في المنطقة وهم في رحلة بحث عن الحقوق الذي يحقق طموح الأمة ووحدة تمسكه، يفتقر إلى الإقناع أو الاقتناع أو إلى الفهم الحقيقي للحقوق الشرعية. لكن يمكن القول، إنهم في شكل عام، تنقصهم مجموعة من المهارات المهمة مثل مهارات الاتصال ومهارات تعبئة الرأي ومهارات التفاوض واتخاذ القرارات ومهارات إدارة الانتخابات والإعداد لها، بالإضافة إلى مهارة التخطيط، سواء على المستوى الاستراتيجي أو المستوى الميداني لتحقيق الغاية وهي وحدة النسيج الوطني.
ختاما الدعوة الآن مفتوحة إلى تكثيف قنوات الحوار لتوعية جيل الشباب حول حقوقه المشروعة، وندق معاً مع الباحثة جرس الإنذار بأن كثيراً من أبنائنا تصل إليهم معلومات مغلوطة عن المفاهيم والقيم الأساسية وعن حقيقة الديموقراطية والمشاركة. وهم بحق بحاجة إلى فكر يشملهم ويتعامل معهم ويضمهم مهما اختلفت اتجاهاتهم وتباينت، وآن الأوان كي نفتح حواراً حول قضية التثقيف السياسي بين الشباب أو صناع القرار السياسي أو المجتمع المدني.