مجلس الأمن أم مجلس الحرب؟

<a href="mailto:[email protected]">Ffaheem2006@yahoo.com</a>

من المفارقات الجديرة بالتأمل تحوّل مجلس الأمن من ساحة لتحقيق السلام إلى غرفة عمليات حربية، تعد العدة للحرب المؤكدة. وقد نجحت واشنطن في امتطاء صهوة هذه المنظمة الدولية "الأمم المتحدة وملحقاتها"، بما جعلنا خارج نطاق المبالغة إذا زعمنا أن مجلس الأمن أصبح إدارة في وزارة الدفاع أو الخارجية الأمريكية، ودعونا نستنتج من أحداث الماضي القريب. فمجلس الأمن يطلب للانعقاد لتوقيع عقوبات على سورية، إيران، كوريا الشمالية، العراق، أفغانستان، البوسنة والهرسك، وكوسوفو، وكل الدول "المارقة" التي لا ترضى عنها واشنطن، لأنها تعوق أو تعطل إحدى مصالحها.
والعجيب أن هذا السلوك المتكرر والإجراء الرتيب أصبح يمثل روتيناً عادياً لا يلفت الانتباه أو يثير التساؤلات, وبلغ من حجم الدهاء الإعلامي في تغطية أنباء مجلس الأمن أن أحداً لم يعد يتوقف ويسأل: أي أمن؟ وأمن من؟ فالهوتو والتوتسي دخلوا في حرب أهلية أهلكت الملايين ولم يتحرّك مجلس الأمن. وشهدت أنجولا حرباً أهلية مماثلة، وكذلك سيراليون ونيجيريا في الستينيات، والصومال، وإثيوبيا، وإرتريا وغيرها من حروب القارة السوداء، ولكن عين مجلس الأمن تتجه إلى دارفور حيث الاحتمالات النفطية. ولا أدري ما موقف مجلس الأمن من المجاعة التي يجري التعتيم عليها في الصومال؟ وهل الجوع أقل ضراوة من الحرب المسلحة؟ وهل ضحاياه أقل؟ وهل فرض الأمن ممكن في حالة تحوّل الإنسان إلى كائن مهدد بالفناء بسبب الجوع؟ أم لأنها دولة مسلمة تجري معاقبتها لأنها نكلت ببعض الأمريكيين في مراحل سابقة؟ كم نتمنى أن يتحرّك مجلس الأمن ليؤمّن وصول الطعام إلى الصومال، وبذلك يتحقق الاستقرار والأمن.
وقراءة عاجلة لأجندة مجلس الأمن ومتابعة أقوال وانفعالات المندوب السامي الأمريكي في الأمم المتحدة تشي وتكشف دور هذا المجلس. فالمجلس في انتظار إشارة البدء للتوجه إلى دارفور وجنوب السودان وزيمبابوي وفنزويلا وإيران، وربما سورية ولبنان، وقديماً كانت النصوص الدولية التي تنظم عملية التدخل العسكري تفيد بوجود قوات طوارئ دولية، أما الآن فإن لمجلس الأمن جيشا جاهزا عرمرما جرارا هو قوات حلف شمال الأطلنطي التي تحوّلت بقدرة قادر إلى جيش الخلاص من أعداء واشنطن تحت مظلة الشرعية وفوق وسادة الاستعمار العالمي الجديد. ولاحظنا سرعة تحرّك هذه القوات في سيناريو متكرر. يبدأ باللوبي والضغوط وينتهي إلى التصويت بالإجماع دون أن يجرؤ أحد من الأعضاء الأربعة الدائمة على استخدام حق الفيتو. ثم يبدأ دور سولانا وحلف شمال الأطلنطي وفي اجتماعات وجيزة يتقرر تكوين قوات تدخل سريع مدعمة بالسلاح الجوي والتغطية الاقتصادية والتمهيد والمصاحبة الإعلامية البارعة التي تظهر الموقف وكأنه حرب مقدسة من أجل الحق والعدل والخير والجمال وضد الشر والكراهية والحقد والتخلف، الأمر الذي يسعد نيتشه وشوبنهاور في قبريهما، لأن مقولة الحق هي القوة والقوة هي الحق, هي اللغة الوحيدة التي يخضع مجلس الأمن لها، وهي من ابتكارهما. وبقدر كراهية واشنطن للجمعية العامة التي تصفها بأنها ساحة للكلام وإضاعة الوقت بقدر عشقها وثقتها بمجلس "الأمن" الذي لا علاقة له بأمن أحد، إلا أمريكا وبعض حلفائها المقربين. وإلى جانب حلف شمال الأطلنطي ابتكرت واشنطن حلفاً جديداً يسمى "الائتلاف" Coalition، ويتكّون عادة من قوات مرتزقة من دول فقدت إرادتها السياسية أو تطمع في الثواب الأمريكي أو تفادي عقاب اليانكي أو من الانتهازيين الطامعين في فرص استثمار على مائدة المنتصر.
ونقول مرتزقة لأن الحرب التي يخوضها جنود لا يدافعون عن بلادهم أو مصالحهم المباشرة هي حرب مرتزقة، فالجنود المرتزقة على مرّ التاريخ كانوا أفرادا يتقاضون أجراً عن التضحية بأرواحهم بدءاً من المرتزقة الفرس ومرتزقة الجيوش الفرعونية إلى الفرقة الأجنبية الفرنسية وقبلها بقرون ألوية الرومان المرتزقة. ويبقى للإعلام مهمة التجميل والتفسير والتبرير والشرح وصنع قضايا وهمية تصب في مصلحة صاحب المشروع والمحل والقضية والمصلحة دون غيره.
ولو توقفنا دقيقة أمام الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن: الولايات المتحدة، روسيا، إنجلترا، فرنسا، والصين، لوجدنا أن القاسم المشترك الأعظم بينهم هو أنهم مسؤولون عن تصدير وبيع أكثر من 90 في المائة من الأسلحة المتداولة في العالم. فما هي مصلحة وأولوية تاجر السلاح؟ إنها بلا شك إشعال الحروب حتى ينشأ ويزيد الطلب على سلعته الباهظة. وإذا عرفنا أن التجارة التي يشاركون فيها هي أول وأضخم تجارة في العالم "يليها المخدرات، الأدوية، النفط، القمح، البن، واللحوم على التوالي" لأدركنا أهمية التآلف والتحالف في المجلس والاتفاق في التصويت والإحجام عن استخدام الفيتو أو حق الاعتراض. فلكل شريحته في الكعكة ونسبته في السوق العالمية، ولا مجال لاستمرار هذه القوى الخمس كدول كبرى إلا بدخل كبير تدره تجارة السلاح. فهل يُعقل أن يكون تجار الحرب هم المسؤولين عن إقرار الأمن؟ وشيئاً فشيئاً تتبدد التبريرات وتتهاوى الأوهام، ويتطاير غبار الحقائق التي تم تثبيتها في أذهان الناس. وليقف العالم المندهش ليسأل: هل نحن حقاً بحاجة إلى مجلس الأمن بصورته الحالية؟ وإذا عرفنا أن أي دولة كبرى قادرة بطرق الضغط والسياسة على كبح جماح أية أزمة في المهد وقبل تفاقمها، فإننا سنتأكد أن بدعة الأمم المتحدة التي هيأت لأمريكا قناة شرعية للهيمنة غير الشرعية يجب أن تنتهي. ومع خالص التحية للسيد السكرتير العام الذي أصبح القاصي والداني يعرف أنه موظف صغير في إدارة العلاقات الخارجية بمكتب كوندوليزا رايس، والرجل لا يبدو على استعداد لإنكار ذلك.
وثمة اقتراح أخير هو: لماذا لا يتم تغيير اسم مجلس الأمن إلى مجلس الحرب إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً بشأنه؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي