أساتذة الجامعات: الترقية العلمية وما بعدها

|
منذ عام هنأت أحد الزملاء بالترقية العلمية لمرتبة أستاذ، وكان وقتها فرحا بهذا التقدير من الجامعة. إلا أنه ومنذ عدة أيام وفي مناسبة محدودة العدد، أخذ صاحبنا في التشكي أن رتبته الجديدة لم تقدم له الكثير من الناحية الأكاديمية. في جامعاتنا، كما في مُعظم جامعات العالم، يتدرج الأستاذ الجامعي في ثلاث مراتب علمية رئيسة: أستاذ مُساعد، فأستاذ مُشارك، ثُم أستاذ. ولكل من هذه المراتب دلالة، أساسها العطاء العلمي البحثي. ويبذل أساتذة الجامعات جهداً كبيراً في إعداد مُتطلبات الترقية من مرتبة إلى أخرى، وتبذل إدارات الجامعات بدورها جُهداً كبيراً أيضاً في عملية تقييم ما يُقدم من عطاء علمي بغرض الترقية، وفي اتخاذ القرارات المناسبة. ولاشك أن هناك تساؤلات كثيرة يُمكن طرحها للنقاش حول جهود أساتذة الجامعات وتوجهات هذه الجهود، وشؤون تقييمها، وترقية أصحابها. وبين هذه التساؤلات مسألة العطاء العلمي المُؤهل للترقية وعلاقة هذا العطاء مع الصلاحيات العلمية التي يكتسبها الأستاذ الجامعي نتيجة الترقية، والتي يُمكن الاستفادة منها في تعزيز كفاءة العمل الجامعي. في جامعاتنا، يبدأ حامل الدكتوراة بمرتبة "أستاذ مُساعد"، وضمن أصول وشروط، أساسها العطاء العلمي، كماً ونوعاً، يترقى بعد ذلك إلى مرتبة "أستاذ مُشارك"، ثُم إلى مرتبة "أستاذ". وطبقاً للأنظمة المعمول بها في جامعات المملكة، تستغرق الرحلة بين مرتبة والتي تليها أربع سنوات على الأقل. لكن الواقع يقول إن المتوسط الزمني الفعلي لهذه الرحلة هو ضعفا هذه المدة. وحول هذا المتوسط هناك من يقترب من الحد الأدنى، وهناك من يبتعد إلى ثلاثة أضعاف المدة أو أكثر. ولا تختلف شروط العطاء العلمي، من حيث الكم والنوع، في الجامعات السعودية عن كثير من الجامعات العالمية، على الرغم من محدودية برامج الدراسات العليا في جامعاتنا مقارنة بتلك الجامعات. وكثيراً ما تتلقى المجالس العلمية في جامعاتنا تعليقات إيجابية حول أنظمة الترقية فيها. وهذا ما يبشر بالخير، وما يعطينا الثقة بأن أساتذة الجامعة لدينا لا يقلون، في مستوى العطاء العلمي، عن أساتذة الجامعات المُتقدمة. بعد الترقية، يُعاني أستاذ الجامعة لدينا من مشاكل لا يُواجهها أستاذ الجامعة في الجامعات المُتقدمة. في جامعاتنا يرتقي الأستاذ من مرتبة إلى أخرى، ويحمل لقباً جديداً، لكنه من حيث المُمارسة الفعلية يبقى بنظر كثير من الأنظمة مُجرداً من هذه الترقية، ومن اللقب الجديد الذي حصل عليه. وبالطبع يُؤثر ذلك سلباً في كفاءة العمل الجامعي، وعلى حماس الأستاذ للعمل والمزيد من العطاء. ولنا على ذلك أمثلة من الواقع. إذا نظرنا، على سبيل المثال، إلى دور الأستاذ الجامعي في إعداد مخطط بحث أو مشرع رسالة ماجستير، نجد أن هذا الأستاذ يُجرد من كل ما قام به من عطاء علمي، لأنه لا يستطيع أن يُقر هذا المشروع، ولا أن يبدأ العمل نظامياً إلا بعد مُعاناة لا ضرورة لها. فمشروع الرسالة، بعد أن يقوم الأستاذ بإعداده مع الطالب، يخضع لآراء أعضاء المجموعة التي ينتمي إليها، ثُم لآراء أعضاء مجلس القسم، فمجلس الكلية، فمجلس الدراسات العليا. وقد تشمل هذه الآراء تعديلات لا ضرورة لها، يقبلها الأستاذ في الغالب، ليس من منطلق القناعة، بل من مُنطلق التكيف مع البيئة المحيطة. وتستغرق هذه الرحلة، في كثير من الأحيان، ما لا يقل عن فصل دراسي كامل، مع العلم أن رسالة الماجستير، هي المستوى البحثي الأول الذي يمر فيه الطالب في إطار برامج الدراسات العليا، وأنها لا تقارن، من حيث العطاء العلمي، مع ما يُقبل لترقية الأستاذ الجامعي. هناك وقت ضائع في الإجراءات، يدفع ثمنه جميع أعضاء المجالس السابقة، وهناك إرهاق معنوي غير مُبرر للأستاذ وللطالب الذي يرغب في العمل معه. فإذا كان الأستاذ قد أثبت مقدرته طبقاً لأنظمة الجامعة، فلنسمح له بالقيام بالعمل دون عوائق. أما أن نعطيه الترقية تقديراً لعمله، ثُم نسحبها منه في ممارسة هذا العمل بعد ذلك، فهذا ما يحتاج إلى إعادة نظر حرصاً على كفاءة العمل الأكاديمي في المستقبل. [email protected]
إنشرها