حان وقت تطوير آليات الموازنة العامة

[email protected]

إلى وقت قريب كانت بعض الوزارات والجهات الحكومية تشتكي من قلة الاعتمادات المالية المعتمدة لها ضمن مشروع الموازنة العامة وبعضها يتحجج بهذا الأمر لمواجهة الضغوط والشكاوى من تردي الخدمات، وكانت معظم تلك الضغوط تأتيها من أمراء المناطق الذين يسعون لتوفير الخدمات وإكمال البنية التحتية لمناطقهم وجزء منها يأتي عن طريق ما يطرح في الصحافة المحلية من قبل الزملاء الكتاب والمحررين خاصة في أوقات الأزمات.
ورغم أن وزارة المالية لا تزال ممسكة وبيد على موضوع الاعتمادات المالية وهو موضوع مقالتي اليوم إلا أنني لا أعفي مسؤولي تلك الجهات عن سوء الخدمات وربما ترديها في بعض الأحيان فهم يتحملون نسبة كبيرة من المسؤولية لأن في إمكانهم إدارة مواردهم المالية التي تخصصها لهم وزارة المالية ومواردهم البشرية بشكل أفضل يحقق إلى حد ما الرضى عن عملها من قبل المراقبين والمتابعين وربما يوجد لها العذر فيما لو حصل تقصير منها، وهذا ما أعتقد أن الإدارة الحكومية تفتقده اليوم ولا أعلم متى سيتم تطويرها لتواكب الطموحات والتطلعات.
أعود لموضوع وزارة المالية فأقول إن الوزارة ما زالت ممسكة بيد على جميع بنود المصروفات بأبوابها الأربعة وهي رغم أنها تتفاوض وتجتمع مع مندوبي الجهات الحكومية الأخرى عند إعداد مشروع الموازنة إلا أن كلمتها هي الفصل وكما يقول المثل (فيك الخصام وأنت الخصم والحكم)، وهذا وضع إداري غير سليم وينتج عنه سلبيات عديدة ويحتاج إلى إعادة نظر ولاسيما أن الأمور تتطور من حولنا.
في اعتقادي أن وزارة المالية مسؤولة عن وضع سقف المصروفات لمشروع الموازنة ككل لكنها لا يجب أن تكون هي من يحدد احتياجات الجهات الحكومية من الاعتمادات، فتلك الجهات هي أعرف باحتياجاتها من المشاريع وهي المساءلة من قبل القيادة أولا ومن المواطنين والمراقبين لعملها ثانيا، كما أن وزارات أخرى لها علاقة مباشرة بما يطرح في الموازنة من اعتمادات مالية مثل وزارة الاقتصاد والتخطيط التي أعتقد أنها أولى من وزارة المالية بتحديد حجم الموازنات التفصيلية لكل جهة بناء على ما تمتلكه من خطط مستقبلية ومؤشرات تنموية تعد أهدافا وطنية وجميع تلك الأسباب وغيرها تضغط في اتجاه إعادة النظر في طريقة إعداد مشروع الموازنة العامة للدولة.
هناك حاجة لاعتماد المزيد من الوظائف في القطاعات الأمنية والصحية وفي بعض الوزارات التي لا تزال أعداد موظفيها متواضعة ولا تكفي لمواجهة أعمالها خصوصا المستجدة منها، وهناك مشاريع تعتبر أهم في سلم الأوليات من مشاريع أخرى، وهناك أيضا حدود دنيا لمتطلبات عقود التشغيل والصيانة لا يمكن تجاوزها، وجميع تلك المتطلبات لا يمكن إنجازها وتضمينها مشروع الموازنة العامة سوى بتفهم واقتناع وزارة المالية وهذا بدوره يتطلب امتلاك مفاوض الجهة الحكومية المعنية لقدرة إقناع وسرعة بديهة وحضور ذهني حتى يستطيع أن يمرر مشروع موازنة جهته، وهو وضع إداري غير سليم ولا يحقق الأهداف التنموية بقدر ما يزيد من معاناة كثير من الجهات التي لا تستطيع إقناع الوزارة بأهمية بنود الصرف التي تتضمنها موازنتها المقترحة.
لهذا قد يكون من المناسب دراسة تشكيل لجنة من مختصين محايدين يشترك فيها عضو من وزارة المالية وآخر من وزارة الاقتصاد والتخطيط لدراسة مشاريع الموازنات التي تقترحها الجهات الحكومية كافة حيث يكون لتلك اللجنة صلاحية البت بالتوافق بين أعضائها أو بالتصويت إذا لزم الأمر لتمرير أو رفض ما تتضمنه تلك الموازنات بعد الاستماع والإطلاع على مرئيات وخطط تلك الجهات، واللجنة التي اقترحها هنا لن تلغي دور وزارة المالية في تحديد السياسة المالية للدولة ولا في تحديد حجم الإنفاق الإجمالي, لكنها ستساعد على توجيه النفقات إلى مصارف تحتاج إليها مشاريع التنمية وستحسن من موقف الجهات الحكومية التفاوضي وستلقي بالمسؤولية على الجهات نفسها التي طالما تحججت بقلة الاعتمادات أو رفض وزارة المالية لمشاريعها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي